Click Here For English Menu 

 

 

 

Libyan Constitutional Union

 

http://www.libyanconstitutionalunion.net  

&

   http://www.lcu-libya.co.uk

 

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الإتحاد الدستوري الليبي: تأسيسه ونشأته

مقالة توثيقية بقلم محمد بن غلبون

Click for English translation

 

سيطّلع القارىء فى حلقات هذه المقالة التوثيقية على سرد لوقائع تاريخية حدثت مجرياتها فى فترة هامة من تاريخ بلادنا، رأيت من الواجب الوطني تسجيلها ونشرها، حتى لا تندثر ونفقد معها صلتنا بجوانب هامة شكلت جزءً من تاريخنا المعاصر. ولأن هذه الوقائع والأحداث تتعرض لمواقف بعض الأشخاص الذين كانوا أطرافا فاعلين فيها، فكان لابد من تسجيل مواقفهم كما حدثت فى سياق مواضعها فى تلك الوقائع والأحداث المعنية. ومن ثمة، فإن نشرها فى الوقت الحاضر، وبعد مضي ما يقرب من ربع قرن من الزمان على حدوثها، ليس الغرض من ورائه نقد أو تجريح أؤلئك الأشخاص، بقدر ما هو محاولة متواضعة للتعريف بجزء من تاريخنا المسكوت عنه. ولهذا، أرجو أن لا يتم تأويل هذا الغرض، وأن لا يتم تحميل كاتب هذه المقالة ذنب سوء ظن الآخرين بما أحتوت.

 

تحتوي هذه الصفحة على الأجزاء من (12) إلى (15)

 
         
الجزء الخامس الجزء الرابع الجزء الثالث الجزء الثاني

الجزء الأول

الجزء العاشر الجزء التاسع الجزء الثامن الجزء السابع الجزء السادس
الجزء    15 الجزء    14 الجزء    13 الجزء   12 

الجزء    11

الجزء   20 الجزء    19 الجزء    18 الجزء    17

الجزء   16

الجزء 22       الجزء  21
    البيان الختامي    
 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثاني عشر

[2] الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي

 

الدكتور محمد يوسف المقريف ..

من أسهل الأمور وأيسرها على المرء أن تناط به مهمة التعريف بشخصية ـ غنية عن التعريف ـ فى مجتمع يلم فيه كل واحد من أفراده على حدة بأدق سيماتها.

ولعل الدكتور محمد يوسف المقريف هو أحد أفراد هذه الفئة الذى لا يحتاج المرء عند الحديث عنه سوى ذكر اسمه ، فلا أظن أن هناك ليبيا مهتما بمجريات الحياة السياسية فى وطنه، خلال فترة حراك المعارضة الليبية فى مطلع حقبة الثمانينات ومعظم سنوات حقبة التسعينات، لا يعرف ـ من هو ـ الدكتور محمد المقريف، وهذا أمر أحسبه من حسن طالعي، فقد عفتني شهرته الواسعة بين أفراد مجتمعنا من مشقة التعديد لسيمات شخصيته البارزة.

    ** * **

لقد فرغت فى الأجزاء السابقة من الحديث حول ـ بعض ـ شخصيات أهل الحل والعقد فى المجتمع الليبي، وموقفهم من تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي. وفى هذا الجزء والأجزاء القادمة من هذه المقالة التوثيقية، سوف أتناول بعض شخصيات ليبية أُخرى من رجال الوطن الذين عجت بهم فصائل المعارضة الليبية المختلفة فى الخارج، إضافة لبضعة من أولئك الذين رفعوا لواء معارضة نظام الحكم العسكري فى ليبيا كمستقلين. وستكون البداية من خلال الحديث حول موقف الدكتور محمد يوسف المقريف، الأمين العام ـ السابق ـ لجبهة إنقاذ ليبيا.

** * **

فى أعقاب الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي، وبالتحديد فى أوآخر سنة 1981م، زارني فى بيتي بمدينة مانشستر الدكتور محمد المقريف مصطحباً معه عاشور الشامس.

وما أن فرغنا من مأدبة الغذاء، ومن بروتوكول المجاملات الشخصية، ومن الحديث حول شئون الساعة، حتى ولج الدكتور محمد المقريف إلى صلب الموضوع الذى دعاه للاتصال بي، ومن ثم القيام بهذه الزيارة قيد الحديث.

قال لي المقريف فى مجمل حديثه بأن فكرة الاتحاد الدستوري الليبي الذى تم تأسيسه منذ أسابيع خلت، قد نالت إعجابه الشديد بها وبأهدافها السامية، إلاّ أن الظرف السياسي الدولي الحالي بمعطياته السياسية الشائكة قد تمخض ـ كضرورة ملحة ـ عن تأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، التى لا يترك أمر انبثاقها على ساحة النضال الوطني المجال لوجود أية تنظيمات أُخرى منافسة بإيديولوجية فكرتها أو إستراتيجية خطة عملها لتحقيق الأهداف المنشودة فى هذا الشأن.

ومن هنا، فإن قدومه لزيارتي يتلخص فى جله حول طرح اقتراح يصب مؤداه فى قيامي بحل الاتحاد الدستوري الليبي ودمج أعضاءه ـ كأفراد بصفاتهم الشخصية ـ فى جبهة إنقاذ ليبيا، لتقوم الجبهة بعد ذلك بتبنى مبدأ فكرة إعادة الشرعية الدستورية إلى نصابها المعهود فى البلاد، الذى هو أنسب لكيانها من حيث الإمكانيات والقدرة على رفع لواءه وتحقيق مبتغاه، وأن يتم استبعاد مسألة الالتفاف حول الملك، لأنها خطوة عقيمة فى إطار فاعلية حركة النضال لإسقاط النظام العسكري الحاكم فى ليبيا.

واستمر الدكتور المقريف فى شرح كنه اقتراحه، بقوله إن حل الاتحاد الدستوري الليبي وانضمام أعضائه لجبهة الإنقاذ يُعد ـ بلا جدال فى هذا النحو ـ الخطوة الصائبة لعدة أسباب، يمكن تلخيصها فى النقاط الثلاثة التالية:

 

1.     تفرض الأوضاع الدولية الراهنة، بقوة تأثيرها النافذ، أن يتواجد بساحة نضال المعارضة الليبية ـ العازمة على إسقاط النظام الحاكم فى ليبيا ـ تنظيم ليبي معارض واحد، يضم تحت سقفه كافة أعضاء المعارضة الليبية فى الخارج. وهذا ما تم ترجمته على أرض الواقع من قبل القوى الدولية صاحبة التأثير الأكبر فى مجريات الأحداث، والقادرة على توفير إمكانيات التغيير السياسي فوق الخارطة العالمية إلى مباركة ودعم إنشاء الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، وقطع الوعود لها بتكليل جهودها ـ فى هذا الغمار ـ بالنجاح المرغوب.

2.     إن وجود تنظيمات أو كيانات معارضة منافسة على ساحة النضال الليبي، ذات قوة مستمدة من فكرتها وصواب إستراتيجيتها، أو كثرة تعداد أعضائها، أو إمكانياتها المادية الفائقة، هو إرباك وتشتيت لجهود المعارضة الليبية، التى يحتم عليها الظرف السياسي أن تندمج فى جبهة إنقاذ ليبيا الحائزة على مباركة ودعم القوى الدولية بإسقاط النظام الحاكم فى ليبيا.

3.     إن وجود تيارات ليبية معارضة، ومنافسة لجبهة الإنقاذ، قد يشوش لفترة وجيزة على نشاط الجبهة النضالي، لكنه لا يستطيع ـ مهما بلغت فاعلية نشاط هذه التيارات ـ أن يُغير من حتمية وصول الجبهة لمبتغاها فى إسقاط النظام الحاكم فى ليبيا. ومن هنا، فإن روح المنطق تفرض على أصحاب هذه التنظيمات أن يوفروا جهودهم وطاقاتهم المبذولة للوصول إلى غاية قد حُسم أمر بلوغها مسبقاً لصالح جبهة الإنقاذ.

** * **

وهنا لخصت للمقريف مجمل ردي على إقتراحه فى النقاط الأربعة التالية:

1.     إذا كانت فكرة الاتحاد الدستوري الليبي قد استهوته لدرجة يزمع معها على تبنى صلب نواتها القائم على مبدأ إعادة الشرعية الدستورية، فلا أظن أن حل كيان الاتحاد الدستوري الليبي وانضمام مؤسسيه وأعضاءه للجبهة يشكل ـ تلك ـ الأهمية التى تجعله يفرضه كشرط أساسي للبث  فى مثل هذا الأمر القائم على قناعته الثابتة به.

2.     إذا تم له ـ من خلال الجبهة ـ تبنى هذا التوجه المتمثل فى المطالبة بإعادة الشرعية الدستورية إلى نصابها المعهود فى البلاد، فلن يكن هناك أي ضير من وجود كيان الاتحاد الدستوري الليبي على أرض المعترك النضالي الوطني من عدمه ! فالاتحاد الدستوري الليبي ـ فى هذا الصدد ـ لا يقف حجر عثَّرةُ أمام قوى المعارضة الليبية الراغبة ـ منها ـ فى تبنى هذا التوجه.

بمعنى، إن الأمر ـ فى هذا الإطار ـ لا يعطي الحق للاتحاد الدستوري الليبي فى قصر فكرته القائم عليها توجهه النضالي على كيانه؛ فمثل هذا السلوك متاح أمره لكافة من يرغب فيه ويهواه، فليس هناك قانون يجرم تبنى فكرة سياسية ـ معينة ـ وتحويلها لإستراتيجية عمل نضالي من أجل تحرير الوطن، لأنها منبثقة عن جهة بعينها فحسب.

3.     فى حالة تبنى الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا لمبدأ الشرعية الدستورية، يصبح أمام مؤسسي الاتحاد الدستوري الليبي وأعضائه ـ حينئذٍ ـ الاختيار بين أمرين:

        حل الاتحاد الدستوري الليبي والانضمام لكيان الجبهة ـ لمن يرغب منهم فى ذلك ـ كل على حدة فى هذا الأمر.

        الاستمرار بكيانهم الصغير فى الظل والهامش الذى تتيحه لهم الجبهة فى إطار النضال الذى تخوضه من أجل تحقيق طموحات أفرادها فى إسقاط نظام الانقلاب العسكري، وهى فى هذا الخصوص الأكثر إمكانيات وقدرة وتكتيك. ومن ثمة سترجح كفتها ـ حتماً ـ فى تحقيق الغاية المأمولة، خاصة إذا وضعنا فى الحسبان ـ تلك ـ الوعود الدولية التى أشار المقريف إليها.

4.     إذا كانت المدارك الفكرية فى حيز النضال الوطني قد أملت على المقريف قناعة ـ راسخة ـ بعدم الالتفاف حول الملك إدريس (رحمه الله وطيب ثراه)، وهو الممثل القانوني للشرعية الدستورية فى ليبيا، بحكم اختيار الشعب الليبي له كحاكم شرعي قبيل الاستقلال ، وبقوة نص بنود الدستور الذى كان إعداده شرطا أساسيا لنيل ليبيا لاستقلالها.

فلماذا إذن، ذهب الدكتور محمد المقريف لزيارة الملك قبل الإعلان عن تأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا بفترة قليلة، وطلب منه أن يتنازل له عن الأمانة التى منحها أياه الشعب الليبي ؟!.

** * **

وحتى تكون الصورة واضحة للقراء ـ فى صدد هذا الموضوع ـ أي زيارة الدكتور محمد المقريف للملك إدريس، سأسرد فيم يلي حيثيات واقعة الزيارة كما حدثت بحذافيرها، وكما سمعتها من مصدرها الأصلي.

لقد تمت الزيارة المنوه عنها فى فترة التأهب للإعلان عن تأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا. حيث قام الدكتور محمد المقريف بزيارة الملك إدريس بترتيب ورفقة الحاج محمد السيفاط، تحت ذريعة نيل البركة والحوز على الرضا.

ولكن الدكتور محمد المقريف لم يلتزم بحدود برنامج الزيارة الأصلي المعد سلفاً ـ والذى بموجبه تم السماح له بإتمام تلك الزيارة ـ حيث قام بمفاجئة الملك من خلال مطالبته له بالتنازل عن الأمانة التى وضعها الشعب الليبي فى عنقه، وذلك بعد أن نالت منه الشيخوخة مبلغها العميق، ويدع الأمر للشباب لحملها من الآن فصاعدا . وأشار المقريف فى مجرى حديثه للملك إدريس ـ من باب تعزيز موقفه ـ إلى أنه قد حصل على مباركة الولايات المتحدة الأمريكية فى هذا الصدد.

لم يغضب الملك إدريس من كلام الدكتور محمد المقريف السابق فحسب، بل أن غضبه قد شمل الحاج محمد السيفاط الذى تراءى له فى تلك اللحظات أنه لم يتفاجأ بما أدلى به رفيقه من كلام يخالف الحجة التى تم سوقها له كسببٍ لتلك الزيارة.

ومن ثمة فقد تأكد له ـ فى حينه ـ بأن المقريف والسيفاط قد بيتا النية على أجندة مخالفة للسبب الذى تقدم السيفاط به إليه كحجة لإتمام تلك الزيارة. وهذا ما دعاه ـ من ثمة ـ إلى مطالبتهما بمغادرة الدار على الفور.

** * **

سقط فى يد الدكتور محمد المقريف، الذى ما كاد يسمع كلماتي ـ الآخيرة ـ التى كشفت فيها له عن أمر زيارته السرية للملك إدريس من أجل الحصول ـ منه ـ على إجازة تنازل عن شرعيته القانونية فى حكم البلاد لصالح جبهة الإنقاذ، حتى قام من مقعده الذى كان يجلس عليه، وأنتصب واقفاً، وكست ملامحه إمارات الغضب الجامح، فلقد كان أقصى ما يتصوره ـ المقريف ـ فى تلك اللحظات أن يكون لي علم بتفاصيل تلك الزيارة، التى ظن بأنها سر قد تم إيداعه فى طي الكتمان، ولا يعلم بأمرها أحد.

وفى ذات اللحظة التى أفصحت فيها للمقريف عن أمر زيارته للملك إدريس، وقبل أن ينبس بشفة كلمة، كان الشامس قد استدار بوجهه للناحية التى كان يقف بها المقريف، والذهول البالغ يغمر محياه، دون قدرة منه على إخفاء دهشته النافرة من على سيماء وجهه الحائر.

وعرفت عندئذٍ بإن الشامس لم يكن يعرف عن هذا الأمر شيئاً ! فقد نطقت قسمات وجهه الحائرة بعلامات الدهشة، معبرة ـ بذات نفسها ـ عن مكنون جهله بما سمع لتوه.

قال المقريف بصوت متهدج يغمره الغضب: " إنني بالفعل قد زرت الملك إدريس والملكة فاطمة، وذلك من باب الإكبار لهما، وتقديراً لشيخوختهما، وغربتهما التى فرضها عليهما نظام القذافي. وقد وجدتهما عجوزين مخرفين ، يعتقدان فى ذات أنفسهما بأن ليبيا عزبة بفلاحيها تم توريثها لهما عن أجدادهما ". وقد لاحظت ـ فى تلك اللحظات ـ تهلل أسارير الشامس بإمارات من السرور الغامر.

واصل المقريف حديثه قائلاً: " لم يكن هناك أي غرض آخر من وراء تلك الزيارة، خاصة الأسباب التى أتيت على ذكرها منذ قليل. ثم إن الدول العظمى قد تخلت عن الملك إدريس، ولم يكن مرغوبا فيه ـ من قبلهم ـ للاستمرار فى حكم البلاد. ولو كانت هناك رغبة دولية فى استمرار نظام حكمه، لما سمحوا للعسكر باغتصاب السلطة فى البلاد. ونحن فى الجبهة نحترم رغبة القوى العظمى فى هذا الصدد، هذا من ناحية. إما من الناحية الآخرى، فنحن فى الجبهة لا نحتاج لملك بلغ من العمر أرذله، لكى نحقق آمال الشعب الليبي فى التحرر من ربقة نظام حكم القذافي، خاصة أننا ـ فى هذا الخصوص ـ نملك وعودا أمريكية مسئولة بإسقاط نظام القذافى، وهى غير مشروطة بركوب صهوة إعادة النظام الملكي المخلوع، أو استخدام مبدأ إعادة الشرعية الدستورية للبلاد. ومن ثمة، فليس هناك أدنى مصلحة للجبهة فى مطالبة الملك إدريس بالتنازل عن شرعيته لصالح برنامج نضالها المكين ".

عقبت بالقول للدكتور محمد المقريف، بإنه من حقه أن يُبرر موقفه من تلك الزيارة، وأن يسوق ما يشاء من الأعذار حول الأسباب الحقيقية من وراءها، إما من جهتي فإني أعلم يقيناً بحيثياتها التى استقيتها من منبعها الأصلي، هذا من جهة.

إما من الجهة الآخرى، فله مطلق الحرية ـ فى ـ أن يتخذ موقفا معينا من الملك إدريس مبنياً على احترام رغبة الولايات المتحدة الأمريكية فى هذا الشأن؛ ولي ـ فى هذا الخصوص ـ الحق فى تبنى الموقف الذى أراه يشرفني، ويخدم قضية بلادي، ويراعي تقدير واعتبار الملك إدريس.

وهكذا، أنهى الدكتور محمد المقريف زيارته ـ لي ـ وهو لا يزال على غضبه واستيائه السابق، وتبع أثره ـ فى هذا النحو ـ عاشور الشامس.

** * ** 

وهكذا أنطبق علي قول الشاعر طرفة بن العبد:

" إِلَى أنْ تَحَامَتْنِي العَشِيْرَةُ كُلُّهَا        وَأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيْـرِ المُعَبَّـدِ "

والمعنى من وراء بيت هذا القصيد ـ هنا ـ إنه بعد تلك الزيارة التى أغضبت الدكتور محمد المقريف ورفيقه، وجعلتهما يخرجان من منزلي مصحوبين بعاصفة من الغضب الكاسح، تغير وجه علاقة الصداقة والمعرفة التى كانت تربطني بكثير من الأشخاص المنضويين تحت جناح جبهة الإنقاذ وأولئك الذين لديهم اعتقاد بأنها البديل القادم لحكم القذافي.

فقد جرى تنفيذ عملية إقصاء وعزل وجفاء غير معلنة إزائي وإزاء أسرتي، تجلت كبرى علاماتها فى مناسبات الموت التى تتلاشى فى القلوب ـ عند نزولها ـ كافة الأحقاد والضغائن، فيسارع أصحاب الأفئدة السوية بمواساة ذوي الراحلين وأهلهم المكلومين بفاجعة فراق أحبابهم، ويتم الشد على أزرهم، وتثليج خواطرهم بسلوى الود وصدق العزاء.

اختارت آية الموت بحقها الساطع إبان فترة الثمانينات بضعة من أركان أسرتي فى مدينة بنغازي، فخاب أملي فى أن اتلقى العزاء فيهم من قبل بعض أفراد أهل وطني. وعلى سبيل المثال ـ وليس الحصر ـ تلقيت خمس مكالمات هاتفية لتعزيتي فى وفاة خالي لامين دربي، ومثلها ـ وربما أقل منها ـ عند وفاة صهري وجد أولادي الحاج مصطفى مْنينة.

وعندما توفى عمي محمود بن غلبون فى مدينة مانشستر، لم يزد عدد المشيعين لجثمانه الكريم من الأخوة الليبيين سوى أربعة أنفار لاغير، بينما شاركهم فى تشييع جنازته ـ بأضعاف مضاعفة ـ أخوة باكستانيون.

** * **

ولم يتم رفع عقاب ـ هذه ـ العزلة الإجتماعية التى ضُربت حولي، إلاّ بعد فشل الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا فى تحقيق وعودها التى قطعتها لإعضائها، والذى أدت نتيجته إلى انفصال كثيرهم عن كيانها.

حيث جدد الكثير من معارفي وأصدقائي السابقين علاقتهم الودية بي، وعاد بيتي يُشرع أبوابه لاستقبال زائريه الذين غابوا عنه بفعل موقفي السياسي، الذى أثار نقمة جبهة الإنقاذ ضدي.

وعلى هذا المنوال، جاءت أعداد غفيرة لتشييع جنازة شقيقي علي (رحمه الله) الذى وافته المنية بمدينة مانشستر فى سنة 1994م.

يـتـبـع ..

محمد بن غلبون

26 نوفمبر 2006

chairman@libyanconstitutionalunion.net

 

 

نشرت هذه الحلقة يوم الاثنين 27 نوفمبر 2006 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثالث عشر

[2] الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي

 

رشاد بشير الهوني ..

 

لعل كثير من الليبيين ـ خاصة الفئة المثقفة ـ يعرفون الأستاذ رشاد الهوني (رحمه الله) حق المعرفة، فإسهاماته المبدعة فى مجال الكتابة ـ كانت ـ جلية الأثر فى أذهان معاصريه من القراء الذين تابعوا نتاجه الفكري فى حقل الصحافة الليبية.[1]

ولولا قصور إنتشار ـ وتداول ـ الصحف الليبية على القراء من أبناء الوطن الليبي، لكان بضعة من الكُتّاب الليبيين المتميزين، الذين يقع رشاد الهوني فى صدارتهم، قد وضعوا فى مصاف بارز بين جهابدة وأعلام فن الكتابة فى صحافة الوطن العربي.

قرض رشاد الهوني الشعر، وكتب القصة، وتأَلَّق فى مجال كتابة المقالة الصحفية، لكن أعظم إسهاماته قاطبة، والتى ـ لا شك لدي فى أنها ـ ستخلده كأحد رواد نشر الوعي الثقافي والسياسي فى المجتمع الليبي إبان تاريخه الحديث، هى المتمثلة فى تأسيسه وشقيقه محمد بشير الهوني (رحمه الله) لصحيفة الحقيقة فى سنة 1964م، والتى تولى رشاد إدارة تحريرها عقب إنشائها وحتى إغلاق دارها من قبل نظام الانقلاب العسكري ـ فى ليبيا ـ سنة 1973م.

فقد لعبت صحيفة الحقيقة بتوجيهات رشاد الهوني الرائدة دوراً هاماً فى توعية القراء بقضايا وطنهم الحيوية. وتبنت، فى نفس الوقت، جيل طليعي من الكُتّاب المبدعين الذين كونوا بفكرهم الخلاق ـ فى مجال الكتابة ـ مدرسة صحافية راقية، عملت على تغذية عقول الشباب الباحث عن هوية ثقافية فى فترة النشوء الأولى لدولتهم التى كانت تتحسس ـ فى تلك الآونة ـ خطاها نحو تحقيق التنمية الشاملة بأبعادها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ولعل الصادق النيهوم وخليفة الفاخري اللذين تبناهما رشاد الهوني صحفياً وقدمهما من خلال نتاجهما الفكري المبدع فى مجال الكتابة، خير مثال يمكن لنا الاستدلال به فى هذا الخصوص.

    ** * **

خلال فترة اتصالاتي بالشخصيات الليبية البارزة لتعريفهم بفكرة الاتحاد الدستوري الليبي ـ عقب تأسيسه ـ ودعوتهم للانضمام إليه والمشاركة فى نشاطاته الساعية لإعادة الشرعية الدستورية فى ليبيا، اتصلت بالأستاذ رشاد الهوني الذى جمعتنى به صداقة قديمة فى مدينة بنغازي، ورتبت معه موعداً للقائه.

استقبلني رشاد الهوني فى بيته الكائن بضاحية كنجستون أون تيمز الواقعة بأطراف مدينة لندن، لنتجاذب أطراف الحديث الودي المستمد لزاده من صداقتنا السابقة، وفى أعقاب ذلك قمت بطرح فكرة الاتحاد الدستوري الليبي عليه، وعبرت له عن رغبتي الصادقة فى انضمامه لكيانه، أو ـ على أقل تقدير ـ إسداء العون من خلال دعم نشاطاته المرسومة.

قال لي رشاد بعد أن ألم بكافة مناحى وأبعاد فكرة إعادة الشرعية الدستورية إلى البلاد ـ التى يرتكز على بنيانها كيان الاتحاد الدستوري الليبي ـ بأنها فكرة صائبة فى اختيارها كحل لقضية بلادنا المنكوبة بحكم نظام العسكر.

وأردف بالقول بأنه رغم  حبه لوطنه الذى لا يقارعه فيه أحد ـ بحسب ظنه ـ إلاّ أن التجربة المريرة التى قاسها من خلال سجنه ومحاكمته مرتين من قبل محكمة عسكرية غير شرعية، وغير مؤهلة، عقب انقلاب العسكر فى سبتمبر 1969م، قد تركت بصماتها الأليمة فى نفسه من خلال تخلى الأصدقاء قبل العامة عنه أثناء محنته التى اجترعها على ذنب لم يقترفه.

وقال رشاد الهوني بأنه لا توجد قوة فى الكون قادرة على نزع الحب الذى يكنه فى نفسه لليبيا، فهو فطرة تنبض بها عروق جسده منذ أن أدرك عقله الوعى الكامل للمفاهيم الفكرية والوجدانية لطبيعة الوجود.

لكنه ـ فى نفس الوقت ـ ليس هناك قوة تملك القدرة على إقناعه بالانخراط فى أي عمل سياسي بعد تجربته التى علمته أن الشعب الليبي لم يتشرب بعد الوعي الكافي الذى يدفعه إلى الذود عن حقوق الفرد فيه إذا أحاق به الظلم من قبل السلطة الحاكمة.

بمعنى آخر، يرى رشاد الهوني فى مجمل كلامه بأنه ليس هناك وعى كاف ـ فى ليبيا ـ يدفع بأبناء المجتمع للتضامن مع الفرد من بينهم عند الاعتداء على حقوقه الشخصية ـ الشرعية ـ أو عند اضطهاده أو قمعه أو تصفيته من قبل السلطة الحاكمة. فلا زال المجتمع الليبي يفتقر للوعى الشامل بمفهوم التكافل والتضامن والتكاثف والترابط الجماعي من أجل الدفاع عن حقوق أفراده وجماعاته وفئاته المختلفة عند تعرضهم لجور السلطة المستبدة.

ومن ثمة، فإن غياب هذا الوعى قد أدى بطبيعته إلى فقدان المجتمع لأهم إحدى خصائصه الأساسية فى حماية ـ والحفاظ ـ على حقوق وحرية أفراده الخاصة والعامة. فالوعى الجماعي بحقوق أفراد المجتمع، قيد النقاش، ضرورة لا يملك معها أفراده إمكانية الاستغناء عنه، فهو الضمير اليقظ ـ القابع ـ فى عمق وجدانهم الفكري، والذى تتكرس مهمته الأساسية فى الذود عن حقوقهم المشروعة إزاء السياسات المنحرفة لسلطة الحكم فى إطار الدولة التى يعيشون على أرضها.

بمعنى أكثر دقة، إن فى غياب الوعى المطلوب لا يخسر أفراد المجتمع أدواتهم الذاتية التى تنبههم إلى الخطر المحدق بهم عند اعتداء السلطة الحاكمة على حقوقهم المكفولة بموجب قوانين دولتهم المعنية؛ بل أنهم يخسرون فرصتهم فى تكوين القدرة على الرفض الواعي ـ والمسيس ـ لسياسات السلطة المنحرفة وإجبارها على رد الظلم الواقع عليهم، بالدرجة التى ـ قد ـ تصل إلى إسقاطها عن سدة الحكم إذا تطلب الموقف لمثل هذا الأمر.

والخلاصة هنا، إن الوعى الشامل لأفراد أي مجتمع يعلمهم ويربيهم على حقيقة بائنة، يتركز جل صلبها فى أن الاعتداء على حقوق فرد من بين أفراد مجتمعهم هو فى مضمونه ـ ونتائجه ـ إنما اعتداء على حقوق كافة أفراد المجتمع. لأن صمت أفراد المجتمع على اعتداء السلطة الحاكمة بالظلم على فرد من بينهم أو جماعة من ضمن فئات مجتمعهم المختلفة، هو فى حقيقته الساطعة تنازل منهم عن شرعيتهم الجماعية فى ممارسة حقوقهم السياسية، والتى يقع فى أعلى قائمتها تخليهم الطوعي عن إبداء آرائهم فى شئون حياتهم الذاتية، هذا من ناحية.

إما من الناحية الأخرى، فهو بمثابة إكساب السلطة الحاكمة رخصة ـ فى المدى اللاحق ـ لتكرار ممارسة انحرافها المسكوت عنه فيم سبق، وتقوية عضدها فى التمادى فى غي الانحراف عن ـ جادة ـ أصول الحكم القويم العادل.

فالأمر ببساطة ـ فى هذا الخصوص ـ يتلخص فى أن تخلى الجماعة عن التكافل مع حقوق الفرد، وتخلى المجتمع عن التضامن مع حقوق الفرد والجماعة، هو إيجاز ـ صريح ـ من الجميع بالرضا والقبول بسياسات السلطة الحاكمة المنحرفة، وإعطائها رخصة لتكرار سياساتها المنبوذة التى ـ لا مناص من أنه ـ سوف يتجرع الجميع مرارة كأسها السام بدون إستثناء.

إذن، لا يتم صمت أفراد المجتمع حيال انتهاك السلطة لحرمة حقوقهم المشروعة إلاّ فى غياب وعيهم الشامل، الذى تؤدى نتيجته الحتمية إلى سطو نظام الحكم ـ تباعاً ـ على حقوق كل فرد من بين أفراده على حدة ـ إذا اقتضت مصالحه ذلك ـ ويتم فى هذا الخضم السطو على حقوق جماعات وفئات المجتمع المختلفة بكاملها، الواحدة تلو الآخرى، وهذه حقيقة لا محالة من تجنبها إلاّ بتواجد الوعى الذى يدفع بطبيعته إلى تضامن كل فرد فى المجتمع بأسره مع حقوق أبناء مجتمعه من الأفراد الآخرين.

ومن هنا، فإن الأدوات الذاتية التى يخلقها الوعى لدى الفرد ليدافع بها عن حقوقه المشروعة، هى التى تحفز الجماعة فى داخل المجتمع ـ المعنى ـ لمناصرة الفرد فيها إزاء ديكتاتورية السلطة واستبدادها حقوقه، وهى التى تدفع المجتمع برمته ـ من ناحية أُخرى ـ إلى التضامن مع أفراده وجماعاته المختلفة؛ فرفع الظلم عن الفرد والدفاع عن حقوقه المشروعة ـ فى هذا المضمار ـ هو حماية ودفاع عن المجتمع ككل.

وهذا هو بيت القصيد فى فهم قضية بلادنا التى لم يطل الزمن بحكم نظام العسكر فيها، حتى بسط نفوذه على أفراد المجتمع بأسره، من خلال استخدامه لأدوات الإرهاب التى استطاع تدريجياً أن يحولها إلى إستراتيجية قمعية ثابتة وقادرة على شل فاعلية أفراد المجتمع فى رفض الظلم والثورة عليه بدعم أساسي وحيوي من غياب الوعى بينهم.

    ** * **

لقد كان لشرح رشاد الهوني المستفيض الذى لخصت معناه فى الفقرات السابقة، إيماءة ـ منه ـ إلى ضرورة وجود الوعى الكافى بين أفراد المجتمع الليبي قبل إقدام أية فئة من أفراده على عمل معارض للنظام العسكري القائم فى ليبيا، يُزمع من وراءه تقويض حكمه الفاسد.

ويرى رشاد الهوني من خلال رأيه المذكور أعلاه بأن الخذلان سيكون من نصيب أصحاب أي توجه سياسي معارض من هذا القبيل، وذلك بسبب من السلبية التى سيواجهون بها من قبل أفراد المجتمع الليبي المفتقدين للوعى، وهو ـ فى هذا المضمار ـ الأداة المساعدة لخلق الرفض الجماعي، فى داخل وجدانهم، لسياسات السلطة المستبدة.[2]

    ** * **

وهكذا، أسر لي رشاد الهوني بأنه لا يمكن له ـ والحال كذلك ـ أن يشترك فى أي عمل سياسي معارض، منطلقاً فى ذلك من قناعة خاصة تشتمل على موقف إتخذه إزاء كافة التوجهات الليبية المعارضة المتواجدة فى الخارج بدون إستثناء.

ثم عقب قائلاً، بأنه لو أراد فى يومٍ الانخراط فى نشاطات إحدى توجهات المعارضة الليبية المختلفة، لإختار من بينها توجه يسعى لأحد أمرين، أو كلاهما معاً. الأمر الأول أن يكون عمل هذا التوجه وهدفه الأساسي يتركز وينصب فى السعى لإعادة الشرعية الدستورية إلى البلاد.

والثاني أن تقوم مبادئه على مراعاة مكانة الملك إدريس الأثيرة   بالنسبة لليبيا ولليبيين، وذلك من خلال الالتفاف حوله، واتخاذه رمزاً  لتلك الشرعية المنشودة. وهذا بطبيعة الحال متوافر فى كيان الاتحاد الدستوري الليبي.

    ** * **

أشار رشاد الهوني إلى أن الأسباب التى كونت قناعاته السالف ذكرها قد تولدت نتيجة لعاملين، أحدهما يكمن فى إيمانه العميق بأن الحل المنشود لعودة ـ واستقرار ـ مجريات الحياة السياسية فى ليبيا مرهون بإعادة الشرعية الدستورية لنصابها الطبيعي الذى كانت عليه قبل الانقلاب العسكري، لأنه فى ظل وجودها يستكن صمام الأمان الذى يحفظ للمواطن حقوقه الدستورية المشروعة، ويحميه ـ بالتالى ـ  من كبوات انحراف السلطة الحاكمة.

والآخر يكمن فى إيمانه المطلق بالالتفاف حول شخص الملك إدريس، والتمسك به كرمزٍ لقيادة الدولة الليبية. لأنه ـ وبغض النظر عن كونه ـ يمثل الشرعية الدستورية ذاتها، من خلال اختياره من قبل غالبية أفراد الشعب الليبي فى مرحلة التأهب لنيل البلاد لاستقلالها ، كنتيجة لإخلاصه ووفاءه للوطن، وكفاحه وأسرته لدهور طويلة من أجل تحقيق الهدف المأمول فى حصول ليبيا على استقلالها . فأنه هناك أسباب شخصية، تخص رشاد الهوني وأفراد أسرته، وتحثهم على حمل أسمى مشاعر الإخلاص والوفاء فى أنفسهم تجاه الملك إدريس والحركة السنوسية.

أردف رشاد الهوني بالقول فى مجمل تفسيره للأسباب الشخصية التى خلقت مشاعر الإخلاص والوفاء فى وجدان أفراد أسرته تجاه الملك إدريس، بأنها قد سرت إليهم من خلال التربية التى استقوها من والدهم فى الصغر، واستمروا فى تلقيها ـ منه ـ عبر مراحل نموهم نحو الكبر.

فقد كان السيد بشير الهوني ـ والد رشاد ـ أحد الأخوان السنوسيين الذين تربوا على تعاليم الحركة السنوسية وأخلصوا لها، بعد أن لمسوا ـ عن قرب ـ سماحة أهدافها التى كانت تصبو فى جلها إلى توعية أفراد المجتمع الليبي بدينهم الإسلامي، وحثهم على التمسك بتعاليمه الحنيفة من ناحية، والعمل على إجلاء المستعمر الأجنبي عن أرض بلادهم من ناحية أُخرى.

وقد قال لي رشاد الهوني ـ فى هذا السياق ـ بأنه قد تربى ونشأ فى بيت سنوسي، بالدرجة التى جعلت والده يطلق عليهم أسماء بعض أفراد الأسرة السنوسية الذين كان يبجلهم ويكن لهم الإحترام والتقدير، فى تعبير صادق ـ منه ـ عن التيمن بهم وبسلوكهم القويم، فأخوه الأكبر محمد قد وهب أسم مؤسس الحركة السنوسية السيد محمد السنوسي (الكبير)، وأخوه الآخر تم تسميته إدريس، بينما سمى شقيقه الأصغر السنوسي.

وهنا توقف رشاد الهوني لبرهة، ثم تابع حديثه قائلاً، بأنه لا يجب أن يذهب ظني إلى أن اسم رشاد لا يمت لأسماء العائلة السنوسية بصلة، بل إنه اسم أحد أشقاء الملك إدريس، الذى اختاره الله إلى جواره بعد ولادته مباشرة.

ولعله جديراً بالذكر ـ فى هذا السياق ـ أن رشاد الهوني قد أدلى بهذه المعلومات التى تشهد على مدى جيش مشاعره ـ وأفراد أسرته ـ بحب الملك إدريس والحركة السنوسية، أمام ما أُطلق عليه ـ تجاوزاً ـ محكمة الشعب، التى عقد نصابها ضباط الإنقلاب العسكري عقب إستيلائهم على السلطة فى ليبيا عام 1969م.

    ** * **

وهكذا، عبر رشاد الهوني عن مكنون إقتناعه بصواب توجه الاتحاد الدستوري الليبي، لكنه فى نفس الوقت اعتذر عن الانضمام إليه أو لأي توجه ليبي معارض آخر، وذلك بسبب من تجربته المريرة التى ألقت بظلالها على نظرته الشاملة لأبعاد القضية الليبية.

أستمرت أواصر الصداقة الحميمة بيني وبين رشاد الهوني حتى وفاته فى مطلع عقد التسعينات من القرن المنصرم، رحم الله رشادا وجعل مثواه الجنة، فقد كان أحد فرسان الكلمة، وصاحب رسالة حق، وذا شهامة تسبقه بسمعتها الطيبة أينما حل.

يتبع ..

محمد بن غلبون

26 يناير 2007

chairman@libyanconstitutionalunion.net

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] فى مقالة حول شخصية الصادق النيهوم، تناول الكاتب الليبي أبو زيد الهلالي فى حيثياتها بعض القسمات البارزة فى شخصية وحياة رشاد الهوني، والتى تم نشرها فى موقع ليبيا وطننا، تحت الرابط المدون أدناه، لمن يرغب من القراء فى الإطلاع عليها.

http://www.libya-watanona.com/adab/blehlali/bh29123a.htm

[2] لعل رشاد الهوني كان متأثراً فى هذا الخصوص بتجربته الذاتية، التى أخلص فيها لقضية الوطن، بعطاء سخى تم تتويجه ـ فى وقت مبكر ـ بتأسيسه لصحيفة الحقيقة التى أصبحت مناراً ثقافياً لجيل القراء المعاصر لها، بعد أن حولها إلى منبر لنشر الوعى من خلال إبداع ووطنية كتابها المميزين.

ومن جهة أُخرى، لم تكن إدارته لتحرير صحيفة الحقيقة بالأمر الهين السهل، فقد جابهته إعصارات عاتية من المشاكل العويصة التى كادت ـ فى وقت ما ـ أن تعصف بكيان صحيفته بسبب من جرأة الكلمة وشجاعة الرأي ومصداقية النقد التى تبناها كخط لا يُحاد عنه فى صحيفته منذ لحظة تأسيسها وحتى يوم إغلاقها بقرار ـ تعسفى ـ صادر عن قيادة النظام العسكري الحاكم.

ومن هنا، فقد كانت صدمته فادحة عندما أقدم نظام الانقلاب العسكري على محاكمته وإغلاق صحيفته ـ فى غمار سياسته الرامية إلى القضاء على حرية التعبير وإبداء الرأي فى البلاد ـ فى جوٍ ساده السلبية التامة من قبل كتاب الصحيفة وعامة القراء، وانفضاض الأصدقاء من حوله.

 

 

نشرت هذه الحلقة يوم السبت 27 يناير 2007 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الرابع عشر

[2] الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي

 

أحمد لنقي ..

كان أحمد لنقي من ضمن مجموعة من الأصدقاء القدماء الذين نشأت صداقتي بهم فى فترة مبكرة من العمر، تعود ـ فى مداها ـ إلى مرحلة الصبا فى مدينة بنغازي. ولذا، فقد كان من الطبيعي أن أُسارع إلى إلاتصال به، ومن ثمة القيام بزيارته فى منزله بمدينة لندن ـ بعد أن إختارها مكاناً لإقامته ـ وذلك من أجل شرح فكرة وأهداف الإتحاد الدستوري الليبي، ودعوته للإنضمام لكيانه.

تكرر المشهد، فى زيارتي لـ أحمد لنقي، مثلما قدر له ـ من قبل ـ مع العديد من الأصدقاء الذين ألتقيتهم فى فترة الإعلان والتعريف بالإتحاد الدستوري الليبي وبفكرته وأهدافه المأمولة. حيث إستمع ـ لنقي ـ لشرحي بإهتمام بالغ، وعبر على الفور، عن إعجابه بالفكرة التى يقوم على أساسها الإتحاد الدستوري الليبي وبإهدافه المنشودة؛ لكنه فى ذات الوقت، إعتذر عن إمكانية الإنضمام لنشاطاته المقترحة !.

** * **

قال لي أحمد لنقي فى مجمل ـ معنى ـ تبريره لعدم إمكانيته الإنضمام إلى الإتحاد الدستوري الليبي، بإن ذلك يرجع لإنهماكه ـ حينذاك ـ بتفعيل نشاط جماعته التى ألفها من أجل إتباع منهج الطريقة الخليلية[1].

فهو فى غاية الإنهماك والإستغراق بكامل أحاسيسه وحواسه فى العمل على توسيع قاعدة جماعته فى الطريقة الخليلية، من خلال الترويج لها ونشرها بين أفراد الجالية الليبية فى بريطانيا وبعض دول المهجر الأخرى. وهذا ـ بطبيعته ـ يتطلب منه تكريس جل وقته وما تسعه طاقته من جهد لتحقيق هذا الهدف المرصود.

وتابع قائلاً، بإنه ليس فى نيته على الإطلاق، فى هذا الخصوص، أن يكون له أي إرتباط بالتوجهات السياسية للمعارضة الليبية المنتشرة فى الخارج، وذلك لأن طبيعة توجهه الذى تبناه من خلال الطريقة الخليلية، يُعد توجه ديني ـ صوفي ـ لا علاقة له بالمجريات السياسية التى تخوض فيها تنظيمات المعارضة الليبية. ولهذا فهو يُفضل الإبتعاد عن المشاركة فى أية نشاطات من هذه الصبغة حتى لا يُعرض نفسه ورفاقه لمخاطر المواجهة مع النظام الحاكم فى ليبيا، هذا من جانب.

غير أنه، إستطرد قائلاً، بإن إقتناعه بصواب فكرة الإتحاد الدستوري الليبي، ويقينه بصحة توجه فكرته، إضافة للمحبة الصادقة التى يكنها للملك إدريس، والتى تشربها من جده يوسف لنقي]2]، تملىء عليه وتجبره كواجب وطني، على تقديم المساعدة المالية لدعم نشاطاته المرسومة من أمواله الخاصة، وهذا أضعف الإيمان.

وعلى الرغم من أنني كُنت أتمنى أن ينضم هذا الصديق الأَثير لكيان الإتحاد الدستوري الليبي حتى يقوى من عضده بصلاته الواسعة، إلا إنني راعيت عذره وإنشغاله بتطوير نشاط جماعته المتمثل فى الطريقة الخليلية.

ومن ناحية أُخرى، فرحت بوعده الكريم الذى قطع فيه على نفسه عهداً بالمساهمة فى تمويل الإتحاد الدستوري الليبي من حر ماله، إضافة لمساهمات أُخرى سيقوم بمحاولة جمعها بنفسه من أقرانه ورفاقه المقتدرون.

** * **

وكما هو الحال مع بعض الشخصيات الليبية التى تم ذكرها فيم سلف من أجزاء هذه المقالة، ذهبت وعود أحمد لنقي بالمساهمة المالية فى نشاطات الإتحاد الدستوري الليبي، والعمل على جمع المساهمات من بعض الآخرين أدراج الرياح.

وبهذا السلوك غير المبرر يكون لنقي قد إنضم لبعض أنفار من الشخصيات الليبية التى إلتقيتها فى غمار التعريف بفكرة الإتحاد الدستوري الليبي، والتى عبر أصحابها عن عدم وفائهم بإلتزاماتهم التى تعهدوا بها، وتبرموا لوعودهم التى قطعوها ـ لي ـ فى قضية لا تحتمل فى خوضها الهزل، لأنها تتعدى بجديتها وأهميتها حدود الحسابات الذاتية القاصرة.

** * **

وشاءت الأقدار أن أكون على علم وافى بحقيقة السبب الذى دعى أحمد لنقي إلى عدم الوفاء بوعده الذى قطعه على نفسه وتعهد لي بتنفيذه، والذى ـ كان ـ يكمن فى ريبته من أن تؤدى مساهمته الماليه لدعم نشاطات الإتحاد الدستوري الليبي إلى إحياء فاعلية الحركة السنوسية من جديد، لتكن منافساً لكيان جماعته (الطريقة الخليلية)، وهذا ما يُعد من منظوره الخاص منافسة لا تحتمل الدخول فى غمار معتركها !.

بمعنى آخر، لقد إعتقد أحمد لنقي ومن فى معيته من مريدي الطريقة الخليلية، إن فى المناداة بالملك إدريس السنوسي رمزاً يمثل الشرعية الدستورية المهدورة، كأحد أدوات العمل التى يتبناها الإتحاد الدستوري الليبي فى برنامجه، ويهدف من ورائها إلى إعادة الشرعية الدستورية إلى نصابها السابق فى البلاد؛ هو فى وجهه الآخر إعادة لنشاط الحركة السنوسية إلى عهدها الذى كانت عليه فى البلاد.

وهذا بدوره سوف يلقى بظلاله القاتمة على نشاط أية حركة دينية أُخرى تعمل على نفس المنوال أو ما يشابهه. ويعنى بالتالي، ومن وجهة نظر أصحاب الطريقة الخليلية، إلى إصابة نشاط جماعتهم الواعد ـ فى نهاية الأَمر ـ بالشلل والتجمد، فى حالة تحقيق الإتحاد الدستوري الليبي لأهدافه المنشودة.

ولعل المراقب ـ الخبير ـ المتمرس، صاحب الدراية التاريخية بالشأن الليبي، سيرى على الفور مدى سذاجة وقصور مثل هذا التصور الذى هيمن ببساطته وضآلته على تفكير أحمد لنقي وصَحْبه، من أمثال الشيخ حبيب الصابري، والرائد أحمد بن حليم]3] فى هذا الخصوص، وجعلهم ـ ليس فقط ـ يقتنعون بوجهته الخاطئة، بل ويتبنونه كإستراتيجية نافذة أثناء تعاملهم معي.

لقد إستخدم لنقي ورفاقه ـ أصحاب الطريقة الخليلية ـ كافة الوسائل المتاحة لديهم، من أجل إبعادي عن المضي قدماً فى تفعيل نشاط الإتحاد الدستوري الليبي؛ حيث قاموا بإستخدام سياسة الترغيب والترهيب، التى إمتطى الشيخ حبيب الصابري فيها ـ عند تعامله معي ـ صهوة اللين والترغيب، واستعمل الرائد أحمد بن حليم وسيلة التهديد والترهيب !.

فقام الأول بالإستفاضة فى إطلاق وعوده بتنصيبي فى أعلى المراتب الروحية لطريقتهم الصوفية، بحيث أتولى رئاسة دائرتهم فى بريطانيا فور إنضمامي لنشاطها المتبع. وأطلق الثاني العنان لتهديداته النارية، التى لن يُعفيني من جم حممها ـ حسب قوله ـ سوى إنضمامي الفوري لطريقتهم الصوفية والتخلى عن ممارسة أي نشاط آخر !.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أصبحت مثاراً لسخريتهم فى مجالسهم الإجتماعية، التى صاحبت فترة رئاسة أحمد لنقي للجماعة المعنية، وإمتدت لفترة رئاسة خلفه ونيس التاجوري الذى تولى رئاسة الجماعة عقب إنتقال أحمد لنقي لمصر، واستمرت حتى فترة رئيسها الحالي سالم بدر، لتتحول فى عهده إلى حملة شعواء تكتنفها تشنيعات غير واقعية بسمعتي، من خلال إطلاق بعض الإفترءات الباطلة.

** * **

وهنا، أجد من الجذير بالذكر أن أُعدد للحقائق التى تدحض وجهة نظر التصور السابق وتفنذه، وذلك حتى لا تحيد أرآئي عن الموضوعية التى إلتزمتها وجعلتها نصاباً قائماً منذ أن شرعت فى كتابة هذه المقالة التوثيقية، هذا من جانب.

إما من الجانب الآخر، فإن هذه الحقائق ـ التى سيتم الحديث عنها فيم سيلي ـ تتداخل وتشترك مع وجهة نظر أُخرى تبنتها جماعة الأخوان المسلمون فى نفس المضمار، وفى ظروف مشابهة، سوف أشرح لها فى الجزء القادم من هذه المقالة، وذلك عندما يتم الحديث عن الحاج عبد الله بوسن.

** * **

وهكذا، فإنه يكمن فى هذه الحقائق ـ التى سيتم إدراجها فيم يلي ـ جوهر الوقائع التاريخية الدامغة، التى تُبطل وجهة التصور السابق، الذى إنتهجه أحمد لنقي وصَحْبه إزاء توجه الإتحاد الدستوري الليبي، والذى أنبعث من خشيتهم وخوفهم من نشاطه الهادف إلى إعادة الشرعية الدستورية تحت زعامة رمزها وممثلها الملك إدريس السنوسي، لأنه يُشكل ـ من وجهة نظرهم ـ تهديداً لوجود كيان جماعتهم الصوفية، ويبدد الأمل فى تحقيق أحلامهم وطموحاتهم المعقودة، من خلال فتحه الباب على مصراعيه لإحياء نشاط وعمل الحركة السنوسية، ذلك الند الذى لا يمكن مجارته فى هذا الإطار !.

ولأترك القارىء مع هذه الحقائق، الكامن فى جوهرها الأسباب التى توضح ـ له ـ بجلاء عدم صحة هذا التصور الذى لم يستند فى طرحه على أدنى أسس المنطق أو التفكير العقلاني:

  1.     إن الحركة السنوسية تختلف فى تكوينها وهدفها الذى أُنشئت من أجله عن معظم أوجه تكوين وأهداف الحركات والجماعات الدينية السائدة فى العالم العربي. وبغض النظر ـ هنا ـ عن أوجه الشبه المحدودة التى تجمعها ببعض حركات التأصيل والتحرير التى سادت بعض مناطق العالم العربي فى القرن التاسع عشر، مثل الوهابية فى الجزيرة العربية، والمهدية فى السودان، والتى تطلعت جميعها للتاصيل الإسلامي، والعمل على توحيد العشائر والقبائل المتنافرة فى إطار دولة واحدة، وتحفيز نعرة مقاومة الإستعمار بين أفراد شعوبها.

إلاّ أن الدارس المهتم ـ والمتمحص ـ سيجد أن نشاط الحركة السنوسية، عند إمعان النظر فيه، يختلف عن كافة أنشطة معظم الحركات الدينية التى سادت المنطقة العربية خلال القرنين المنصرمين، من جانب أنه يهدف ويدور ويتركز حول تنوير وتوعية أفراد المجتمع الليبي بشئون دينهم، من أجل مساعدتهم على إقامة وبناء كيان إجتماعي قويم تسوده وتنظمه أسس وشرع التعاليم الإسلامية السامية، دون التطلع من وراء ذلك إلى دورٍ قيادي فى إطار الدولة الشاملة، الذى تمثله فى هذا السياق دولة الإستقلال، وبصرف النظر ـ فى هذا الخصوص ـ عن دورها الرائد فى قيادة الجهاد وتحقيق الإستقلال ذاته للدولة المعنية.

  2.     إن الحركة السنوسية التى قامت أسسها على تنوير وتوعية أفراد المجتمع الليبي بأصول دينهم الحنيف، قد أدت دورها ـ هذا ـ على أكمل وجه فى الفترة الواقعة بين نشأتها على يد السيد محمد علي السنوسي فى النصف الآخير من القرن التاسع عشر وحتى وقوع الإحتلال الإيطالي فى سنة 1911م. حيث أزهرت ثمار جهودها فى هذا الخصوص بإلتفاف إتباعها حول لواء رآية الجهاد التى رفعتها عندما وطأت أقدام جحافل العدو الإيطالي الغاشم تراب الوطن.

ولم يكن للحركة السنوسية ـ فى هذا الصدد ـ أن تحقق ذلك الإلتفاف من حولها بدون نجاحها أولاً، فى نشر الوعي واليقظة الدينية بين الكثير من أفراد المجتمع الليبي بهدى وإشراف مؤسسها، وأبناءه من بعده ـ على مدى عقود طويلة ـ ليزاح بفضلها، عن صدورهم، تلك الغشاوة التى خلفها العهد التركي فى النفوس أثناء فترة حكمه الآخيرة للبلاد، والتى تسبب ـ فى غضونها ـ فى تشويه المفهوم الديني النقي للإسلام فى أفئدتهم.

3.     لقد آل نشاط الحركة السنوسية الريادي إلى التلاشى بعد أن تكلل جهاد الليبيون تحت زعامتها بنيل إستقلالهم، وذلك برغبة من الملك ـ الراحل ـ إدريس السنوسي، فرضتها عليه أصول منطق الواقع عند توليه لزمام حكم البلاد فى ديسمبر 1951م. حيث ارتأى فى هذا الصدد إنتفاء ضرورة وجودها لسببين:

        عدم وجود حاجة لدورها الذى إضطلعت به أبان فترة الجهاد ضد الإحتلال الإيطالي لأرض الوطن، والذى قامت فيه بالتحفيز للجهاد عن طريق إذكاء نعرة المقاومة الدينية بين صفوف المتحمسين من أعضاء قاعدتها العريضة، التى كونتها من بين أبناء بقاع مختلفة من البلاد عبر العقود التالية لتأسيسها، لتصنع منهم مجاهدون يقاتلون من أجل إجلاء جند العدو الأجنبي المحتل لربوع بلادهم؛ وبمجرد تكلل كفاحهم بالحصول على الإستقلال، إنتفت الحاجة لدور الحركة السنوسية فى التحفيز على الجهاد.

        كما فرض واقع الحال، من ناحية أُخرى، إلى إنتفاء ضرورة إضطلاعها بأمر التوعية الدينية التى قامت بمهامها ـ فى أثناء وقبل ـ فترة الجهاد ضد الإحتلال الأجنبي، والذى توجت جهودها خلالها بفلاح منقطع النظير.

والخلاصة، فى هذا الصدد، إنه لم يعُد هناك ضرورة منطقية لوجود الحركة السنوسية[4] بعد أن نالت ليبيا إستقلالها، وإنتقلت بمجتمعها ـ المتباين ـ لنظام الدولة العصرية، الحاضنة فى هيكلها لكافة بنيان التركيبة السكانية فيها، والشاملة لكافة التشريعات المنظمة لكيان أركانها المختلفة.

فقد أصبحت التوعية الدينية والأشراف عليها، بعد الإستقلال، من مهام الدولة الجديدة عبر قنواتها الإدارية المتخصصة فى هذا الشأن (إدارة الأوقاف، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة الإعلام).

ولا يجد المرء ـ فى هذا المضمار ـ إلاّ أن ينظر بكل إكبار وتقدير للملك إدريس السنوسي (رحمه الله) على مدى ثقب رؤيته، وبعد نظره المدرب بوعي سياسي عميق، لكونه قد صرف النظر عن خلق دور للحركة السنوسية فى داخل الدولة الليبية بعد الإستقلال.

ولعل ذلك كان السبب وراء عدم تحول هذه الحركة إلى كتلة نخبوية أو حزب سياسي ـ مدلل ـ له الأثرة فى الإستحواذ على بعض أوجه السلطة والنفوذ فى داخل إطار الدولة الليبية حديثة الإستقلال، مقارنة بما حدث فى كثير من دول المستعمرات القديمة، التى قادتها حركات ـ دينية وغير دينية ـ فى مرحلة الكفاح من أجل الحصول على الإستقلال، وتحولت هذه الحركات الطليعية فى فترة ما بعد الإستقلال إلى أحزاب تُهيمن على الحكم بواقع سطوة تاريخها الكفاحي.

وربما يستبعد البعض حدوث مثل هذا السيناريو ـ فى ليبيا ـ فى ظل الدستور الذى سُن لأجل أن يقنن لعملية ممارسة السلطة، ويضمن ببنود لوائحة المشرعة الفصل بين الفروع الثلاث الأساسية فيها.

وهنا، لا يسع المرء، إلاّ أن يحتكم فى رده على مثل هذا الإستبعاد بواقع الأمر المعاش فى عالمنا المعاصر، الذى تكرر فيه حدوث مثل هذا السيناريو لحركات أعتلت قمة هرم السلطة فى بلادها برخصة إضطلاعها فى عهد الإستعمار بقيادة أفراد شعوبها لمقاومة الإحتلال، وتحقيق إستقلالها ( جبهة التحرير فى الجزائر، من باب المثال).

خاصة إذا علمنا أن أَمارات التخلف الفكري والثقافي، وإنعدام الوعي السياسي هو سمة تشترك فى إقتنائها معظم دول المستعمرات القديمة، التى لم تخرج من معاركها الضارية ضد الإستعمار إلاّ بحريتها الوطنية، مجردة فى ذات الوقت ـ فى عرى واضح ـ من الوعى السياسي والثقافى، الذى تحتاج بشدة بالغة إلى كسائه لتحقيق مشروع النهضة الشاملة، المقدمة على بنائها فى مرحلة ما بعد الإستقلال.

بمعنى آخر، إن حالة التخلف السياسي والثقافي، وإنعدام الوعي بين شعوب تلك الدول ـ بشكل عام ـ لم يكن السبب فى قفز المجموعات التى قادت حركة مقاومة قوى الإستعمار إلى سدة الحكم فى بداية عهد الإستقلال فحسب، بل أنه المسئول الأول عن جعلها فريسة سهلة لإختلال موازين الحكم فيها ـ بقدر ـ دفع إلى تسرب الفساد والمحسوبية إلى نظمها، وأدى بالتالي إلى فتح الأبواب على مصراعيها لعتيان موجة حكم الأنظمة العسكرية، التى وجد صغار ضباط جيوشها فرصتهم السانحة للقيام بإنقلاباتهم غير الشرعية، والإنقضاض على دفة الحكم فى تلك البلاد، فى مغامرة محسوبة، يقودهم النجاح فيها إلى تحقيق الثراء والشهرة، والإستحواذ على صولجان قوة السلطة.

وفى المقابل، نجد أن مثل هذا الأمر لا يمكن له الحدوث على أرض الواقع فى الدول التى تتسلح شعوبها بالوعى السياسي الكافى، حيث يردع وعيهم السياسي بحقوقهم الشرعية، ومقدراتهم الوطنية، أية زمرة من ضباط الجيش تسول لها أوهامها القيام بمغامرة عسكرية لقلب نظام الحكم.

بمعنى، إن هذه الشعوب الواعية تقف بالمرصاد لقراصنة الإنقلابات العسكرية، وتُعيدهم على الفور لثكناتهم التى انطلقوا منها لتنفيذ مؤامرتهم الكريهة، وتحاكمهم، وتنزل بهم العقاب المناسب، جزاء تعديهم ـ بطرق غير مشروعة ـ على حقوقها الشرعية، ولعل ماحدث فى اليونان أبان عقد السبعينات من القرن المنصرم خير مثال يمكن الإشارة إليه فى هذا الخصوص.

** * **

وعودة إلى جوهر الموضوع الأساسي، المتعلق بخشية أحمد لنقي وصحبه فى الطريقة الخليلية من منافسة الحركة السنوسية لنشاط جماعتهم إذا عاد الملك إدريس إلى حكم البلاد !.

لعل القارىء فى هذا الصدد يكون قد ألم بالحقائق السالفة الذكر، والتى توضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الحركة السنوسية فى عهد الحكم الملكي، لم تكن فى يوم مصدر تهديد لأية حركة دينية أُخرى تواجدت على أرض ليبيا. وذلك للأسباب التالية:

        إن نشاط الحركة السنوسية السابق على الإستقلال قد توقفت فاعليته عن الممارسة والتطبيق فى أرض الواقع بعد الإستقلال مباشرة، وذلك لإنتفاء الحاجة إليه، كما سبق الشرح أعلاه. ولم يبق ـ منها فى هذا الخصوص ـ على أرض الواقع سوى رمزها التراثي المتمثل فى بعض زواياها وعلى رأسها زاوية الجغبوب[5]. حيث تخلت السنوسية ـ فى هذا السياق ـ عن دورها السابق كحركة تأصيلية وقيادية، ليستمر وجودها كطريقة صوفية، مثلها فى ذلك، مثل بقية الطرق الصوفية الآخرى المنتشرة فى ليبيا، والتى تواجدت على أرضها لفترة طويلة من الزمان، حافظت فى أثنائها على هويتها الإسلامية.

      إن الملك إدريس السنوسي (رحمه الله) لم يكن فى يوم حجر عثرة أو عائق أمام أية حركة دينية يقوم نشاطها على الشئون الدينية البحثة، والدليل على ذلك يمكن الإستدلال عليه بوضوح من خلال نشاط العديد من الجماعات والطرق الصوفية المنتشرة فى ليبيا قبل الإستقلال وبعده (على سبيل المثال: الرفاعية، والمدنية، والعيساوية، والقادرية، والدرقاوية، والسلامية، والعروسية).

** * **

وهكذا، بعد فترة لاحقة، كان أحمد لنقي قد إنضم وصحبه إلى الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا ! ليصبح فى وقت قصير من أبرز أعضائها، وليثمر تقاربه الحميم مع أمينها السابق محمد المقريف بمصاهرة تزوجت فيها أبنته من أبن المقريف.

يتبع ..

محمد بن غلبون

1 مارس 2007

chairman@libyanconstitutionalunion.net

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الخليلية: طريقة صوفية تأسست بكفر النحال التابع لقرية الزقازيق بمصر، فى بداية القرن العشرين. وكسبت أسم مؤسسها السيد محمد أبو خليل (رحمه الله). وأنتقلت إلى ليبيا عن طريق البعثات التعليمية والدينية من المدرسين وأئمة المساجد الذين إستعانت بهم الحكومة الليبية بعد الإستقلال.

[2] يُعد يوسف لنقي من الشخصيات البارزة والمعروفة فى مدينة بنغازي، وهو من أشهر عمداء بلديتها فى فترة الحكم الملكي. وقد كان أحمد لنقي ـ فى هذا الصدد ـ يفتخر بالعلاقة الروحية والمعنوية التى كانت تربط أُسرته بالملك إدريس، والتى تعود جذورها إلى زمن جده.

[3] أحد كبار أعضاء ما يسمى بتنظيم الضباط الوحدويون الأحرار، ورئيس المحكمة العسكرية فى نظام الإنقلاب.

[4] لكن ذلك لم يمنع من إستمرارها كطريقة صوفية، كمثل بقية الطرق الصوفية المختلفة الآخرى التى كانت تعج بها ليبيا منذ أزمنة طويلة سابقة.

[5] قام القذافى فى سنة 1984 بهدم هذه الزاوية العريقة، وحرق جميع الكتب والوثائق النادرة والقيمة التى كانت تحتويها، ونبش قبر مؤسسها السيد محمد علي السنوسي، ونقل جثمانه لجهة غير معلومة.

 

 
 

نشرت هذه الحلقة يوم  الخميس 1 مارس 2007 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة" و "تيبستي"

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الخامس عشر

[2] الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي

 

عبد الله بو سن ..

يُعد الحاج عبد الله بو سن أحد الشخصيات الليبية المعروفة والمرموقة بين أفراد (المعارضة) وأوساط الجالية الليبية بالمملكة المتحدة البريطانية، التى إختار من عاصمتها لندن مقراً لإقامته وأفراد عائلته بعد إنتقاله إليها من مصر فى منتصف عقد الثمانينات من القرن المنصرم.

ويُعتبر الحاج عبد الله بو سن، فى هذا الصدد، أحد الشخصيات الليبية المشهورة بنشاطاتها الإجتماعية المتعددة فى محيط تجمعات أفراد الجالية الليبية المنتشرة فى معظم بقاع المناطق البريطانية على وجه العموم، وبين أفراد تجمعها الأكثر كثافة فى لندن على وجه الخصوص.

وإضافة إلى إنخراط الحاج عبد الله بو سن فى النشاطات الأجتماعية التى تشد من أزر أواصر ترابط أبناء الجالية الليبية فى المهجر ـ والتى جعلت منه بؤرة يلتف حولها الكثير من أفرادها ـ فإنه كان يقوم بمهام رئاسة تنظيم جماعة الأخوان المسلمين (الليبية)، المتمركز غالبية أعضائها بالأراضى البريطانية.

 ** * **

زارني الحاج عبد الله بو سن فى منزلي بمدينة مانشستر بعد فترة وجيزة من إنتقاله إلى لندن وإستقراره فى محيطها، حيث كان ـ فى ذلك الوقت ـ يقوم بزيارات متواترة للشخصيات الليبية المقيمة فى مناطق بريطانيا المتفرقة، وذلك من أجل دعوتها للإنضمام لجماعة الأخوان المسلمين التى كان يرأسها.

وحسب ظني، فإن الحاج عبد الله بو سن قد جعل غرض زيارته لي، تنصب فى أمرين، سعيه إلى معرفة حقيقة الإتحاد الدستوري الليبي من مصدره الأساسي، من ناحية، وجس نبض مدى جدية مؤسسيه فى العمل على تحقيق أهدافه، من ناحية أُخرى.

وربما يكون سبب هذا الظن الذى أملته علي مشاعري فى هذا الغمار، يرجع إلى الأسلوب الإستجوابي الذى أتبعه الحاج بو سن معي فى أثناء حديثنا المذكور، والذى تركزت إلحاحاته ـ فيه ـ حول مدى جديتي فى العمل على تحقيق الغاية التى ينشدها الإتحاد الدستوري، وما إذا كان هناك خطة مدروسة أو إستراتيجية عمل فى هذا الخصوص.

وبغض النظر (هنا) عن صدق حدسي من عدمه، فى هذا الصدد، فإن ضيفي قد أيقن فى ذلك اليوم، بإن الغاية أو الهدف الرئيسي الذى تم إنشاء كيان الإتحاد الدستوري الليبي على أساسه، وقامت من ثمة فكرته عليه ـ وهو المتمثل فى السعى لإعادة الشرعية الدستورية لنصابها المعهود فى البلاد ـ يُعد العماد الأساسي الذى ألتف مؤسسي هذا الكيان الوطني حوله، ووضعوا أمر تحقيقه نصب أعينهم.

ومن جانب آخر، فقد كان وضعي ـ فى هذا الإطار ـ يختلف عن وضع الشخصيات الآخرى التى زارها الحاج بو سن بغية إستقطابها لجماعته، فإرتباطي بالإتحاد الدستوري الليبي لم يترك ـ معه ـ المجال مسموحاً لأمر مفاتحتي فى الإنضمام إلى جماعته، وتلاشى بوجوده الأمل في استقطابي.

وقد ساد حديثنا الودي فى تلك الزيارة مواضيع عدة، كان أهمها ما دار حول نشاطات وأهداف الإتحاد الدستوري الليبي. وقد تأكد للحاج عبد الله بو سن ـ من خلال الحديث المذكور ـ مدى إلتزامي بتحقيق أهداف الإتحاد الدستوري الليبي المطروحة، والتى تنحصر فى غاية أساسية لا حياد لي ولأعضائه عن بلوغها، وهى المتمثلة فى العمل على إعادة الشرعية الدستورية لنصابها المعهود فى ليبيا.

غادر الحاج عبد الله بو سن قافلاً إلى مقر سكناه فى لندن، تاركاً من وراءه ـ فى نفسي ـ الإنطباع بإستمرار التواصل بيننا لما يرضى الله، وما فيه الخير والمنفعة الصميمة للقضية الليبية. ودارت عجلة الزمان بتعاقب سنينها، دون أن يتم ـ هذا ـ التواصل المرتقب، الذى غمرني الظن فى حينه بإنه أمر محتوم.

** * **

أستغرقت نشاطات تنظيم الأخوان المسلمين فى تلك الفترة الزاخمة بحراك التنظيمات الليبية المعارضة فى مطلع الثمانينات، كافة جهد رئيسه وأعضائه، ليصبح لهم سطوة البروز على المستوى العام فى سياق معارضة نظام الإنقلاب العسكري الحاكم فى ليبيا. ولم يكن يضاهيهم فى هذا المنوال ـ من خلال نشاطهم الجارى فى عقد الندوات، وتسطير المنشورات والبيانات المتدفقة ـ سوى تنظيم الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا.

هذا على الرغم من التمازج والإندماج ـ الملحوظ ـ الذى ساد بين هذين التنظيمين فى إطار نشاطاتهما المعارضة للنظام الحاكم فى ليبيا، والذى مر عبر دخول عدد من أقطاب وأعضاء تنظيم الأخوان المسلمين تحت لواء نشاطات الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا فى تلك الفترة التى شهدت بداية ولادتها كتنظيم ليبي معارض.

وقد أوقع هذا التداخل والإنسجام بين التنظيمين ـ المنوه عنهما ـ فى أوجه العمل والنشاطات الجارية، بعض المعارضين فى حيرة تحديد أي التنظيمين قد ساد بهيمنته على الآخر !. فى حين أنه لم يحر آخرين من المهتمين بهذا الشأن ـ فى تلك الآونة ـ فى مثل هذا الأمر كثيراً، حيث أكتنفهم إعتقاد يفيد مفهومه بإن الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا لا تعدو عن كونها فصيل تم حياكة خيوط نسيجه بمغزل تنظيم جماعة الأخوان المسلمين.

 ** * **

لقد أتسم موقف تنظيم جماعة الأخوان المسلمين من الإتحاد الدستوري الليبي بشكل عام، ومن شخصي كرئيس لكيانه بسلبية تامة ـ فى تلك الفترة ـ أتخذت لها شكل المقاطعة البائنة من قبل أعضائه تجاهي، رغم أن بعضهم كانت تربطني بهم علاقة صداقة حميمة، لأجدهم قد تنصلوا منها تحت طائلة الإلتزام الحزبي لجماعتهم بفرض قيود المقاطعة الكاملة على شخصي.

وهكذا، تحاشى القائمين على تنظيم جماعة الأخوان المسلمين دعوتنا إلى كافة الندوات والإجتماعات (العامة) التى كان تنظيمهم يعقدها، سواء على مستوى العمل النضالي للمعارضة أو على المستوى الإجتماعي لمحافل الجالية الليبية فى المناسبات المختلفة، والتى كانت تجرى تحت إشراف رئيس وأعضاء تنظيم الجماعة فى لندن أو فى بعض المناطق البريطانية الآخرى.

وأرى فى هذا الصدد إنه من الجدير أن يتم ذكر واقعة حدثت أبان تلك الفترة، لعل القارىء يجد فيها دلالة واضحة على حجم ونوع المقاطعة التى تمت ممارستها ضدنا من قبل تنظيم جماعة الأخوان المسلمين، وبالتحديد من قبل قيادته.

فقد توجه الأستاذ علي زيو بالملامة والعتاب للحاج عبد الله بو سن، عندما تجاهل دعوتي لحضور المداولات الجارية حول تأسيس جمعية تعاونية للجالية الليبية فى عام 1987م، فى الوقت الذى قام فيه بدعوة معظم أفراد الجالية الليبية فى بريطانيا للمشاركة فى تلك المناسبة بإستثناء بضعة من الشخصيات الآخرى التى لم تنصاع لهوى جماعته.

وقد قال علي زيو للحاج عبد الله بو سن فى سياق عتابه له فى هذا الخصوص، بإن تكرار تجاهل دعوة محمد بن غلبون للمناسبات العامة التى تخص الجالية الليبية فى بريطانيا، يحرج الكثير منا معه، ويفتح المجال لخلق إنطباعاً بالتآمر ضده، وهذا ما يخالف الحقيقة، وختم زيو عتابه لأبي سن برجاء أن يضع مثل هذا الأمر فى إعتباره عندما يحرر دعوات حضور المناسبات العامة التى تقيمها الجالية الليبية فى المرات القادمة، كما رجاه أن يتصل بي ليشرح لي سبب عدم دعوته لي للمشاركة فى تلك المناسبة المشار إليها.

وما كان من بو سن إلاّ أن إتصل بي ـ تلبية لرغبة زيو ـ وشدد فى إعتذاره لي، وبرر (سبب) عدم دعوته لي بخيانة ذاكرته له، بعد أن فشلت فى إلهامه بتذكري عند قيامه بتوجيه الدعوات لأفراد الجالية لحضور تلك المناسبة ! والخلاصة ـ فى القول هنا ـ أنه نسى أمري من باله كلية (حسب قوله) !.

وأضاف الحاج عبد الله بو سن ـ فى سياق إعتذاره ـ بإنه لو كان هناك أحد أولى بالدعوة لحضور المناسبات التى تقيمها الجالية الليبية، فإنه لابد أن يكون متمثلاً فى شخصي، وذلك لكوني من أوائل الليبيين الذين نزحوا لبريطانيا طلباً للحرية، وسعياً لمكافحة ومعارضة النظام الفاسد الذى يحكم ليبيا.

ورغم ذلك الإعتذار الذى حملته مكالمة الحاج عبد الله بو سن السالفة الذكر، فإن الحال لم يتغير البتة من بعدها ولو بقيد أنملة، حيث أستمرت المقاطعة المنصوبة حولنا على منوالها المرسوم لها، وبمثل سريان وتيرتها السابقة.

ومن ناحية أخرى، فقد كان جلي بالنسبة لي بإن المقاطعة الجماعية التى واجهتنا من قبل أعضاء هذه الجماعة المخضرمة ـ كما واجهتنا فى هذا الصدد مثيلتها، ولكن فى إطار مختلف من قبل قيادات وأعضاء الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا ـ يعود سببه إلى خشيتها (أي جماعة الأخوان المسلمين) من إحياء فاعلية الحركة السنوسية التى قد يؤدى أمر بعثها من جديد ـ فى ظنهم ـ إلى ظهور منافساً لكيان تنظيم جماعتهم التى تكتسى فى إطار عملها النضالي الحلة الدينية.

وهذا (بالضبط) ما دار فى أذهان أعضاء جماعة الطريقة الخليلية، الذين تم الحديث عنهم فى الجزء السابق من هذه المقالة، حيث يشترك هؤلاء مع أعضاء تنظيم جماعة الأخوان المسلمين فى تصورهم الذى يرى بإن قيام الإتحاد الدستوري الليبي ما هو إلاّ بداية لإحياء منافسة الحركة السنوسية التى ـ هما ـ فى غِنى تام عن وجودها على ساحة المعارضة الليبية المزدحمة بمختلف التنظيمات والفصائل المتنافسة فى سباق الإستقطاب المحموم.

ويجب علينا ـ هنا ـ الحرص على مراعاة الفروق الواضحة بين طبيعة وأهداف أعضاء الطريقة الخليلية، وبين طبيعة، وتركيبة، وأهداف، وحجم، وقوة تأثير جماعة الأخوان المسلمين فى محيطها الليبي.

ولتلخيص الشرح السابق بمعنى آخر، فإن قيادة وأعضاء تنظيم جماعة الأخوان المسلمين ـ كما سبق الشرح فى الجزء السابق من هذه المقالة، عند تناول تصورات أعضاء الطريقة الخليلية فى هذا الشأن ـ قد إعتقدوا بإن مناداة الإتحاد الدستوري الليبي بالإلتفاف حول الملك إدريس السنوسي كرمزٍ يمثل الشرعية الدستورية، ضمن برامج نشاطاتهم الرامية إلى إعادة الشرعية الدستورية إلى نصابها السابق فى ليبيا، هو فى جانبه الآخر خطوة نحو إحياء نشاط الحركة السنوسية إلى وضعها الذى كانت تتمتع به فى السابق. وهذا ما سوف  يؤدى بطبيعته ـ حسب إعتقادهم ـ إلى طمر نشاطات الحركات الدينية الآخرى التى تسعى لتحقيق أهداف سياسية بأدوات دينية.

ولا أحتاج ـ هنا ـ إلى شرح مدى قصور مثل هذا التصور الذى سيطر على تفكير قيادات وأعضاء الجماعتين، فقد تم شرح ذلك بإستفاضة وإسهاب فى الجزء السابق من هذه المقالة عند تطرقي للحديث عن موقف أعضاء الطريقة الخليلية. ومن هنا، يمكن للمهتم بهذا الأمر الرجوع إليه فى نصوص الجزء السابق (الرابع عشر).

وربما يكون من المناسب ـ هنا ـ أن يتم الإشارة إلى إجتماع ضم بعض فصائل المعارضة الليبية، وقمت بحضوره برفقة شقيقي هشام فى أبريل 1995م فى لندن، والذى دعت له الحركة الليبية للإصلاح والتغيير.

وكان ذلك أول إجتماع لنا بعدد من فصائل المعارضة من أجل التنسيق للعمل النضالي المشترك، ويرجع سبب حضورنا لهذا الإجتماع (بالذات) دون سواه، إلى كونه الإجتماع الوحيد الذى وجهت لنا فيه دعوة لحضوره فى تلك الفترة !.

والسبب وراء إشارتي لهذا الإجتماع يرجع لسببين:

 

أولهما: إنه يُعد برهان ساطع على المقاطعة التى تم نصبها حولنا من قبل تنظيمي جماعة الأخوان المسلمين والجبهة الليبية لإنقاذ ليبيا، بقصد تغييبنا عن المشاركة فى كافة النشاطات العامة بشقيها (المعارض، والإجتماعي).

بمعنى، إن مقاليد تسيير دفة حراك النشاطات الإجتماعية والمعارضة فى تلك الفترة، كانت موزعة تدابيرها بين هذين التنظيمين. ومن هنا عمل القائمين عليهما على حظر دعوتنا لأي نشاط عام يتم إقامته من خلالهما.

ولهذا، تأتى دعوة تنظيم الحركة الليبية للإصلاح والتغيير فى تلك الفترة ـ التى أعقبت تأسيسه من قبل بعض المنشقين عن جبهة الإنقاذ ـ بمثابة إستثناء عن القاعدة التى سادت فى حينه.

وبغض النظر ـ هنا ـ عن أن دعوة تنظيم الحركة الليبية للتغيير والإصلاح (لنا) لحضور ذلك الإجتماع المنوه عنه، قد فرضته ظروف تلك الفترة، التى أجبرت قيادات هذا التنظيم الجديد المنشقة عن تنظيمها الأم (جبهة الإنقاذ) أثر خلافات حادة ومتابينة فى وجهات النظر بين قياداته، صعب معها رأب صدعها، مما دفع ببعضهم لتكوين التنظيم الجديد الذى أحتوى بين قياداته على مصدري التمويل المالي لنشاطات الجبهة فى السابق (الحاج صابر مجيد وحسين سفراكي)، اللذان كفلا للتنظيم الجديد التمويل الكافى لنشاطاته على مدى بضعة سنوات تالية.

وفى المنتهى توقفت نشاطات حركة الإصلاح والتغيير لتأخذ (لها) ركناً مستكيناً بجانب جبهة الإنقاذ وبضعة من الفصائل والتنظيمات الآخرى، التى كسد نشاطها بسبب إنعدام المصادر التمويلية لها، ويستثنى منها ـ فى هذا الخصوص ـ جماعة الأخوان المسلمين التى لم تواجه فى يومٍ مشكلة فى تمويل نشاطاتها، حيث تختلف قنوات تمويلها عن أقرانها من التنظيمات المعارضة الآخرى (التى لا يسمح المجال هنا للحديث عنها).

ومن هنا، فإن دعوة حركة الإصلاح والتغيير (لنا) لحضور الإجتماع المشار إليه، قد جاء نتيجة لإنسلاخ قياداتها عن إرث تنظيمهم القديم، وتبنى إستراتيجية جديدة لا تهدف فقط إلى إستقطاب أكبر عدد من المعارضين ـ سواء المنفصلين عن الجبهة أو غيرهم من المستقلين ـ بل أنها (كانت) تأمل من وراء ذلك فى تبوأ مكان صدارة بين فصائل وتنظيمات المعارضة المتفرقة بوجه عام. ولعل قياداتها قد رأت فى ذلك الإجتماع خطوة على الطريق، فدعت إليه جميع تنظيمات وفصائل المعارضة، ولم يكن لها فى هذا الصدد أن تقوم بإسقاطنا من دعوتها الشاملة.

وهكذا، فإن دعوة حركة الإصلاح والتغيير لنا لحضور ذلك الإجتماع الذى شارك فيه بضعة من تنظيمات وفصائل المعارضة والمستقلين ـ إذا جردناها من الخلفية الإستراتيجية التى خلقتها ـ تُعد حالة إستثنائية عملت على كسر طوق الحصار المضروب حولنا فى هذا الصدد، وجعلتنا نعتقد لوهلة، بإنه تدشين لمرحلة جديدة تحمل فى طياتها أسلوب جديد فى إطار إستراتيجية عمل المعارضة الليبية، سوف تسود ديناميكيته المتحررة من ربقة التعنت السياسي، وأمراض حب السيطرة والهيمنة على الآخرين التى سادت ساحة المعارضة الليبية فى الخارج بقوة سطوتها لوقت طويل، ولكن هيهات !.

ثانيهما: إن جزء من النقاش الذى دار فى ذلك الإجتماع، يثبت فى حيثياته صدق التحليل الذى أشرت له أعلاه، حول سبب الموقف الذى تبناه تنظيم جماعة الأخوان المسلمين إزاء الإتحاد الدستوري الليبي ورئيسه، والذى يكمن فى خشية قيادته من إحياء نشاط الحركة السنوسية (كما سبق الشرح فيم سلف).

فقد كان تنظيم جماعة الأخوان المسلمين ضمن التنظيمات التى شاركت فى ذلك الإجتماع بتمثيل من رئيسه عبد الله بو سن وأثنان من أبرز أعضائه (يونس البلالي وميلاد الحصادي). وعندما حان دور مشاركة الأخوان فى الحديث الدائر فى ذلك الإجتماع، أنبرى يونس البلالي متصدراً رفاقه فى الإدلاء بوجهة نظر جماعته فى الحديث الدائر، وكانت تملؤه نظرة تعال وإستكبار شاركه فيها رفيقه ميلاد الحصادي من خلال نظرات هازئة، وقسمات وجه مشبعة بالسخرية والإزدراء تفصح بتعابير واضحة عن مكنونها الذى لم تفلح معه محاولة صاحبها بمداراتها عن الحاضرين.

إستهل يونس البلالي قوله بالحمد لله على أن ظهور الأخوان المسلمين فى ليبيا قد سبق ظهور الحركة السنوسية !!. ثم تابع قوله بإن الأخوان لن يحيدوا عن مطالبتهم بتطبيق الشريعة الإسلامية فى ليبيا، وجال ببصره بين الجميع ثم عقب قائلاً بنبرة يشوبها التحدى: هل لديكم أي إعتراض على تطبيق الشريعة الإسلامية فى ليبيا ؟.

وعند هذا الحد من حديث يونس البلالي الذى أحتوى على (مغالطة ومزايدة) زج بهما فى حديثه الموجه للحاضرين فى ذلك الإجتماع، وجدت نفسي مرغماً على التعليق على الأمر، وكان أمامي ـ فى حينه ـ أحد أمرين أن أصحح المغالطة وأُجرد المزايدة من محتواها.

وقد أخترت التغاضى عن تصحيح المغالطة التى حملها حديث البلالي فى طياته، والتى كان يدل فحواها على أحد أحتمالين:

الأول: إن صاحبها قد أطلقها من خلفية لا تفتقر إلى العلم والإدراك التاريخي لمسيرة الحركة السنوسية فحسب، بل ـ الأدهى من ذلك ـ إفتقارها إلى معرفة مسيرة جماعة الأخوان المسلمين التى يُعد صاحب المغالطة (قيد الحديث) أحد أبرز أعضائها، فنجده يُفصح عن جهل فاضح بتاريخ تأسيسها وولادتها فى سنة 1928م على يد الشيخ حسن البنا بمدينة الإسماعيلية فى مصر، ولم يتسرب فكرها ـ ومن ثمة ـ تكوين خلايا لها فى ليبيا إلاّ مع بداية حقبة الستينيات من القرن المنصرم، فى الوقت الذى تأسست فيه الحركة السنوسية فى أوآخر القرن التاسع عشر بإقليم برقة فى ليبيا على يد السيد محمد بن علي السنوسي، وأستمرت فى عملها وعطائها حتى لحظة إستيلاء العسكر على السلطة فى ليبيا سنة 1969م.

الإحتمال الثاني: إن صاحب المغالطة ـ المنوه عنها ـ كان ملم وعالم بكافة جوانب التفاصيل التاريخية لنشأة كل من الحركة السنوسية، وتنظيم جماعة الأخوان المسلمين، ولكنه رغم ذلك، مضى قدما بمحاولته لتمرير تلك المغالطة تحت جنح إعتقاده بجهل الآخرين بمثل هذه التفاصيل.

وبغض النظر ـ هنا ـ عن أي الإحتمالين السابقين الأصدق صحة فى هذا الصدد، فإن الأمر الذى لا يحتمل التأويل حوله هو أن القصد من وراء إطلاق هذه المغالطة كان بغرض الهمز للإتحاد الدستوري الليبي الذى أستندت فكرة تأسيسه على ضرورة الإلتفاف حول الملك إدريس السنوسي كرمز وممثل للشرعية الدستورية.

ورغم إستبعادي للإحتمال الثاني الذى يتم بموجبه إدراج صاحبه تحت مظلة النوايا غير الحسنة، فقد إخترت عدم تصحيح هذه المغالطة فى حينه، حتى لا أسبب الحرج لصاحبها أمام الآخرين، لأن فى تصحيحها تسفيه له على جهله فى أمر واضح ومبين، ولعله ـ فى هذا الصدد ـ يكون هناك من بين الحاضرين (غيري) من إعتراه نفس التفكير.

لكنني ـ من ناحية أُخرى ـ لم أطق الصبر على المزايدة التى أطلقها بشأن تمسك جماعته بتطبيق الشريعة الإسلامية فى ليبيا، فقلت له ـ فى مجمل المعنى ـ بإنه ليس هناك ما يدعوه لمثل هذه المزايدة على الحاضرين، فجميعنا نؤمن بالإسلام ديناً لنا، ونتمنى أن ينعم الله علينا بظلال شريعته السمحاء، المستقية لعدالتها من نور تعاليمه وإرشادته الحميدة. ولكن الذى نرفضه، ولا نقبله على البتة، أن يتم تطبيق الشريعة الإسلامية بحسب أهواء بعض الأفراد والجماعات التى تستخدم الأدوات الدينية لتحقيق مكاسب سياسية، كما حدث فى منطقة بعينها تحت حكم جماعة معينة.

وكُنت أقصد من وراء هذه الإيماءة، أن أُشير إلى تطبيق الشريعة فى السودان تحت حكم جماعة الأخوان المسلمين، التى تم تفصيل أركانها بحسب أهواء ومصالح القيادة الحاكمة لجماعة الأخوان المسلمين، التى كانت تقيم الحد على سارق رغيف الخبز فى بلد يعيش على أطراف المجاعة، وتغض البصر عن أعضاء حكومتها الذين ينهبون الملايين من ثروة الشعب السوداني.

 

يتبع ..

محمد بن غلبون

12 مايو 2007

chairman@libyanconstitutionalunion.net

 

نشرت هذه الحلقة يوم الأحد  13 مايو 2007 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا"  و  "ليبيا المستقبل"  و  "المنارة"

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 
 

 

 

Copyright 1999 LCU. All rights reserved.
Revised: March 05, 2014