Click Here For English Menu 

 

 

 

Libyan Constitutional Union

 

http://www.libyanconstitutionalunion.net  

&

   http://www.lcu-libya.co.uk

 

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الإتحاد الدستوري الليبي: تأسيسه ونشأته

مقالة توثيقية بقلم محمد بن غلبون

Click for English translation

 

سيطّلع القارىء فى حلقات هذه المقالة التوثيقية على سرد لوقائع تاريخية حدثت مجرياتها فى فترة هامة من تاريخ بلادنا، رأيت من الواجب الوطني تسجيلها ونشرها، حتى لا تندثر ونفقد معها صلتنا بجوانب هامة شكلت جزءً من تاريخنا المعاصر. ولأن هذه الوقائع والأحداث تتعرض لمواقف بعض الأشخاص الذين كانوا أطرافا فاعلين فيها، فكان لابد من تسجيل مواقفهم كما حدثت فى سياق مواضعها فى تلك الوقائع والأحداث المعنية. ومن ثمة، فإن نشرها فى الوقت الحاضر، وبعد مضي ما يقرب من ربع قرن من الزمان على حدوثها، ليس الغرض من ورائه نقد أو تجريح أؤلئك الأشخاص، بقدر ما هو محاولة متواضعة للتعريف بجزء من تاريخنا المسكوت عنه. ولهذا، أرجو أن لا يتم تأويل هذا الغرض، وأن لا يتم تحميل كاتب هذه المقالة ذنب سوء ظن الآخرين بما أحتوت.

 

تحتوي هذه الصفحة على الجزئين 10 و 11  

         
         
الجزء الخامس الجزء الرابع الجزء الثالث الجزء الثاني

الجزء الأول

الجزء العاشر الجزء التاسع الجزء الثامن الجزء السابع الجزء السادس
الجزء    15 الجزء    14 الجزء    13 الجزء   12 

الجزء    11

الجزء   20 الجزء    19 الجزء    18 الجزء    17

الجزء   16

الجزء 22       الجزء  21
البيان الختامي
 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الجزء العاشر

[2] الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي

 

الحاج غيث سيف النصر ..

إن شهرة وذيوع صيت عائلة سيف النصر فى ليبيا تُغنى المرء عن التعريف بأفرادها، الذين اضطلعوا ـ من خلال أبناء الرعيل الأول ـ بفخر الجهاد ضد قوات المحتل الأجنبي لأرض الوطن، وقدموا فى سبيل ذلك أنفسهم وما تملك لأجل الذود عن تراب الوطن الزكي، فحاربوا المستعمر الأجنبي بائتلاف مع إخوانهم الآخرين الذين جاهدوا تحت رآية الحركة السنوسية.

وقد كرمت الدولة الليبية ـ بعد الاستقلال ـ وفاء وإخلاص هذه الأسرة المجاهدة بتولية بعض أفرادها، من أبناء الرعيل الثاني، مناصب اعتبارية وسياسية رفيعة، فتقلد من بينهم فى هذا السياق، الحاج غيث سيف النصر منصب والي فزان، ومنصب محافظ فزان بعد إلغاء نظام الولايات فى عام 1963م، ومنصب سفير ليبيا فى تشاد، الذى استمر فى أداء مراسمه حتى لحظة اغتصاب العسكر للسلطة فى البلاد ـ من خلال ـ انقلابهم فى أول سبتمبر عام 1969م. كما تولى ـ فى هذا الغمار ـ السيد سيف النصر عبد الجليل منصب وزير الدفاع فى بعض تشكيلات حكوماتها المتعاقبة.

 ** * **    

أمضيت معظم شهر يوليو والأيام الآخيرة من شهر يونيو من سنة 1982م فى العاصمة المغربية الرباط، وقد توافق ذلك مع حلول شهر رمضان الكريم، فصمت معظمه فى أحد فنادق قاع ـ تلك ـ المدينة العريقة، التى مكثت بها حتى انقضاء عطلة عيد الفطر المبارك، باستثناء بضعة أيام قليلة قمت فيها بزيارة خاطفة إلى بريطانيا، تصادف فى أثنائها أن التقيت بالأستاذ عبد الحميد البكوش خلال زيارته لي بمنزلي بمدينة مانشستر.[1]

كان نجم تنظيم جبهة إنقاذ ليبيا ـ فى تلك الآونة ـ ينطلق فى صعود جامح لا كابح له، وكانت الرباط ـ تُعد ـ فى حينه، أحد المراكز الساخنة لنشاطاته المتنامية، التى لم يكن بمقدور التنظيمات والفصائل الآخرى مجاراته فيها.

ولقد كان من الطبيعي بمكان أن يشعر المرء، فى تلك الفترة، بتواجد أقطاب جبهة الإنقاذ وأعضائها ـ الكثر ـ فى العاصمة المغربية؛ كما كان من السهل واليسير ـ فى ذلك الإطار ـ على إدارة تنظيم الإنقاذ التزود بالمعلومات الشخصية عن الليبيين المتواجدين على أرض تلك البلاد، سواء المقيمون ـ منهم ـ عليها، أو أؤلئك الزائرون لها.

 ** * **

 

فى ذلك الغمار، اتصل بي، عبر التليفون، الحاج غيث سيف النصر ـ الذى لم يسبق لي معرفته أو الالتقاء به من قبل ـ وأفصح لي عن رغبته فى زيارتي بالفندق الذى أُقيم به.[2] والحاج غيث ـ لمن لا يعرفه ـ هو من أبناء عائلة سيف النصر المرموقين، وأحد مؤسسي وقادة جبهة الإنقاذ البارزين،ونائب أمينها العام.

حضر الحاج غيث فى الموعد الذى عقدناه، بعد صلاة العصر، إلى الفندق الذى أنزل به، حيث وجدني فى استقباله بالبهو، لنأخذ لنا ـ من بعد ـ ركناً خالياً نجلس على مقاعده، ونسبر أغوار الموضوع الذى من أجله كبد ـ ضيفي ـ نفسه عناء زيارتي فى ذلك اليوم المشهود.

ولقد لاحظت على زائري الموقر تميزه بإتباع الأسلوب العملي ـ البرجماتي ـ فى تعامله معي، حيث لم يبدد وقته عبثاً بالخوض فى بروتوكولات المجاملات والترحاب المديد ـ كما هى عادة الليبيين إذا جمعهم اللقاء ـ فقد دخل الحاج غيث سيف النصر إلى صلب الموضوع الذى دعاه فى ذلك اليوم إلى زيارتي دون تأنى أو ارتجال .

قال لي الحاج غيث، بتوتر وعصبية ظاهرة[3]، بأنه لا يستطيع أن يفهم، أو أن يبلغ بعقله لعين المنطق الذى دفعني إلى إتباع نهج مغاير ومخالف للخط الذى اجتمع عليه الجميع، فتأسيسي للاتحاد الدستوري الليبي ـ فى نظره ـ هو تشتيت للجهود المبذولة، وتبذير للإمكانيات الكامنة.

وقال مسترسلاً، إنه ـ كان ـ أولى بي أن انضم للركب الجماعي الذى تمثله جبهة الإنقاذ المدعومة من قبل الدول الكبرى، والحائزة على مؤازرة الدول ذات التأثير والنفوذ فى الوطن العربي، والمؤيدة من قبل معظم أفراد الشعب الليبي، وعلاوة على ذلك، المسنودة بشخصيات ليبية ثرية وذات نفوذ سياسي مؤثر. ومن هنا، فإن إصراري على الخروج عن هذا الائتلاف والتعاضد والترابط الجماعي الذى حققته جبهة الإنقاذ من خلال كيانها التنظيمي المعارض، يجعلني ـ بدون مواربة ـ كالطائر الذى يُغرد خارج سربه !.

وقال الحاج غيث سيف النصر فى إيماءة ـ منه ـ لمناداة الاتحاد الدستوري الليبي بالالتفاف حول شخص الملك وتجديد البيعة له، بأن معشر أفراد عائلة سيف النصر سنوسيون بالفطرة، ومن ثمة فالسنوسية تسرى فى دماء عروقهم !. وإذا حدث، ووجد تحت جلد بدن أحدهم عرق واحد تجرى فيه دماء تنبض بغير السنوسية، فسوف يتم ـ على الفور ـ قطعه لتسيل دمائه متبددة إلى فناء. ومن هنا، فنحن لا نقبل ـ تحت أي ظرف ـ من أحد المزايدة على ولاء عائلتنا للحركة السنوسية، أو للملك إدريس بالذات !

وواصل الحاج غيث حديثه ـ فى هذا الصدد ـ بالقول بإن هناك نية معقودة على تكريم الملك إدريس عقب القيام بتحرير ليبيا من براثن حكم نظام القذافى، ومن ثمة فليس هناك ما يدعو إلى الالتفاف حوله فى الوقت الحاضر، فهذا لن يزد أو ينقص من الأمر شيئاً !.

وهكذا ظللت ـ طوال الوقت ـ استمع لحديث زائري المشبع بسيل النقد القارص لموقفي وتوجهي المخالف لنسق وترتيب تنظيم جبهة الإنقاذ، والذى استغرقه، إسهابه فيه، لكل الوقت الواقع بين صلاة العصر، وحتى فترة وجيزة قبل حلول موعد صلاة المغرب.

  ** * **

قلت للحاج غيث سيف النصر ـ باختصار ـ بعد أن أكمل حديثه وهم بالإنصراف، أنه لدى أربعة نقاط أسردها فى عجالة كردٍ على ما جاء فى حديثه المنصرم:

        النقطة الأولى، إن تكريم الملك فى معناه لا يتم بعد تحرير ليبيا، باحتفال خطابي وقلادة فخرية، وأنما التكريم يتم ـ لمن يعي ـ فى منفاه وغربته القاسية وعزلته المريرة، من خلال رد الاعتبار له بالالتفاف حوله.

        النقطة الثانية، إن فى الإشارة إلى عدم قبول عائلة سيف النصر بمزايدة أحد عليهم فى شأن الولاء للحركة السنوسية وللملك إدريس بالذات، وذلك من خلال تشبيه ذلك الولاء بجريان الدم السنوسي فى عروق معشر أفرادها، يُعتبر فى حد ذاته مزايدة مكشوفة.

وذلك لأن العبرة ـ فى إظهار الولاء ـ تُقاس بموقف أصحابه فى الفترة التى يعيشونها من أحداث التاريخ الجارية، أما الارتكان لمواقف تاريخ الأولين، فلا يعتد به لتبرير مسئولية الأفراد إزاء واجباتهم ـ الآنية ـ فى إظهار مقدار هذا الولاء الذى يفتخرون به.

والمعنى هنا، إن الحكم على تصرفات الأفراد إزاء المواقف التاريخية المتعاقبة، يتم من خلال المجريات والظروف السياسية لفترتهم الراهنة، وليس بالقياس على ما تم فى فترات تاريخية سابقة.

ومن هنا، وحتى يلاقى التشبيه الذى ذكرته ـ سريان الدم السنوسي فى عروق أفراد عائلة سيف النصر ـ مصداقيته على أرض واقع الفترة الراهنة، فأنه عليك القيام بالتوجه للملك إدريس لتجديد البيعة له، لكونه ممثل الشرعية الدستورية التى شرفته بها الأمة الليبية ـ مجتمعة ـ عن بكرة أبيها. 

ومن ناحية أُخرى، فإن التشبيه المنوه عنه، قد تم اقتباسه من عمك محمد سيف النصر، حيث قال من داخل سجنه الذى زُج به ظلماً وعدواناً من قبل أركان نظام الحكم الفاسد: " لو كان يوجد فى جسمي عرق لا ينبض بالسنوسية لقطعته "، وكان يعنى كل كلمة وردت فى قوله المذكور، الذى حدده وحصره فى شخصه، ولا أحد سواه، فلم يسحبه بالضرورة على بقية أفراد عائلة آل سيف النصر. ولم يتراجع ـ رحمه الله وجعل مثواه الجنة ـ عن هذا القول الذى يمثل رأيه الذى يؤمن به، رغم ضغوطات ومساومات سجانيه بإطلاق سراحه، وقد فضل الموت فى السجن على التنازل عن مبادئه الراسخة بقوة عزيمته وإيمانه الشديد، وشجاعته وجلده وثباته على الحق.

        والنقطة الثالثة، والتى ربما لا توافقني فيها الآن، لاختلاف وجهات نظرنا حولها، هى أنه رغم كافة الإمكانيات الضخمة والدعم الهائل الذى تتلقاه جبهة الإنقاذ من أجل تحقيق أهداف تحرير البلاد من حكم نظام القذافى، إلاّ أن الأمر كله محكوم عليه بالفشل الذريع، ولن يتحقق هذا الحلم فى إسقاط نظام القذافي بهذه الوسيلة بالذات !.

ولا يغرنك دعم الدول الكبرى للجبهة فى الوقت الراهن، وأعلم ـ يقيناً ـ أن لديها مخططاتها وأهدافها ومصالحها الخاصة التى لا يدخل فى اعتبارها مراعاة مصالح الشعب الليبي أو معاناته المريرة تحت حكم النظام الفاسد. وسوف تثبت لك الأيام صدق هذا التحليل.

وإذا حدث ذلك فى المستقبل ـ وسيحدث ـ فأنك أكثر من مرحب به للانضمام إلى الاتحاد الدستوري الليبي، فهو المكان اللائق بمكانة أبناء عائلة سيف النصر لتتبوء صدارته، فتاريخهم النضالي المشترك مع الحركة السنوسية وولائهم ـ لها ـ المشهود له، يجعلهم الأكثر ترشيحاً لشغل مركز الصدارة فى الاتحاد الدستوري الليبي.[4]

        والنقطة الآخيرة ـ فى هذا المنوال ـ يمكن استنباطها من تساؤل برىء ـ ذي شقين ـ يستطيع أي إمرءٍ بسيط الإجابة عليه دون مشقة أوعناء، والتساؤل هو: لماذا هذا الإضناء الذى يتكبده بعضكم فى محاولة نقد توجهي السياسي ومحاولة ثنيي عنه ؟ فهل ـ بالفعل ـ يكمن فى توجهي المذكور العائق العصيب أمام جهودكم المبذولة من أجل القضية الوطنية ؟.

والجواب يأتى من لدن كلامكم ونقدكم الموجه لي، حيث جاء على ألسنة منتقديكم ـ فى أكثر من مناسبة ـ بأن توجهكم النضالي غير قابل للفشل، ونجاحه محتوم، لأنه يستمد عوامل نجاحه من الدعم المطلق للقوى الدولية والعربية والإقليمية، ومن قوة المال والعتاد والرجال التى اكتسبها فور انبثاقه.

إذن، ليس هناك مشكلة، فأنتم ستحققون النجاح الذى تصبون إليه تحت أي اعتبار، ولن يغير توجهي من هذه الحقيقة ولو بقيد أنملة. فدعوني ـ والأمر كذلك ـ لشأني، طالما أنه ليس هناك خشية مني ومن توجهي على تحقيق أهدافكم.

** * **

وهكذا، انتهى حديثي مع الحاج غيث سيف النصر، الذى لم يعجبه ردي، فعبرت عنه تقاسيم وجهه الغاضبة، فما كان مني إلاّ أن ألحيت عليه، ووقت صلاة المغرب يوشك على الإيذان، أن يقبل دعوتي لتناول الإفطار سوياً فى مطعم الفندق الذى أُقيم به، لكنه رفض دعوتي وتمتم بالقول وهو يلوح بيده، مديراً ظهره لي فى طريق خروجه من باب الفندق، إن إفطاري ينتظرني بمنزلي، وغادر فى طريقه إلى بيته.

قضيت ـ كما سبق الإشارة ـ معظم أيام شهر رمضان الكريم وعيد الفطر المبارك فى العاصمة المغربية التى كانت تعج بعض بيوتها وفنادقها بأعضاء جبهة الإنقاذ، الذين ـ كانت ـ تربطني ببعضهم علاقات شخصية، إلاّ أنني لم أر منهم أحدا !.

وقد كانت صلتي الوحيدة بالليبيين فى تلك الفترة ـ وفى ذلك البلد ـ منحصرة فى علاقة الصداقة التى ربطتني بالسيد محمد عثمان الصيد، الذى كان يدعوني من وقت لآخر لتناول وجبة الإفطار معه.

 ** * **

سيف النصر عبد الجليل سيف النصر ..

من الطبيعي أن يكون السيد سيف النصر عبد الجليل ضمن قائمة الاتحاد الدستوري الليبي الخاصة بالشخصيات الوطنية ـ من أهل الحل والعقد ـ المزمع الإتصال بها لدعم ومؤازرة توجهه الوطني، وذلك لما كانت تحوزه شخصيته من مكانة إجتماعية وسياسية مرموقة فى المجتمع الليبي.

لقد ربطتني بالسيد سيف النصر عبد الجليل ـ فيم مضى ـ علاقة ودودة، كان لها دورها فى تسهيل أمر الاتصال به، ومن ثم تحديد موعد للقاءه فى شتاء سنة 1982م. حيث استقبلني بحفاوة وترحاب فى شقته الكائنة بمدينة القاهرة التى يقيم بها بصفة دائمة.

وقد شد انتباهي منذ الوهلة الأولى التى ولجت فيها إلى غرفة استقبال شقة سيف النصر، صورة كبيرة الحجم للملك إدريس، يحوطها برواز فخم المظهر.

وكان جمال تلك الصورة التى ـ كانت ـ تُزين الحائط الذى يحملها، يُرغم الناظر إليها بإطالة التملى والإمعان فى جمالها الفوتوغرافي الذى يعكس بإتقان دقته بهاء ووقار هيئة صاحبها.

 

** * **

ما أن فرغنا من تجاذب أطراف الحديث حول ذكريات الماضي المشتركة، وشجون الحاضر المتمثلة فى نكبة الوطن تحت حكم النظام الفاسد، حتى أدرت دفة الحديث لمناقشة فكرة الاتحاد الدستوري الليبي، الذى يُعد ـ أمره ـ هو الدافع الأساسي للقاء سيف النصر فى ذلك اليوم، متطلعاً من وراء ذلك لمعرفة رأيه وموقفه من تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي ومن توجهه المطروح.

وقد وفر علي إلمام سيف النصر بكافة تفاصيل فكرة ونشأة وأهداف الاتحاد الدستوري الليبي عناء جهد الشرح والتفسير، حيث تمكن ـ سيف النصر ـ من الاطلاع على كافة المنشورات الصادرة عن الاتحاد الدستوري الليبي فى وقت سابق على ذلك اللقاء.[5]

وعندما سألت سيف النصر عن رأيه وموقفه من فكرة الاتحاد الدستوري الليبي الداعي برنامجه، فى ذلك الحين، للالتفاف حول الملك إدريس كخطوة تمهيدية يقود محضاها للهدف الأساسي المتبلور فى إعادة الشرعية الدستورية للبلاد، والتى ـ فى هذا الإطار ـ يمثل الملك إدريس رمزها الوطني، بعد أن اجتمعت الأمة الليبية على اختياره حاكماً عليها وممثلاً لشرعيتها الدستورية المقننة فى دستورها الموقر، الذى وضعته وأقرته عشية الإستقلال المجيد.

وأعقبت بالقول لسيف النصر، فى محاولة لتوضيح كنه سؤالي السابق، مفصحاً ـ بذلك ـ عن مكنون رغبتي الصادقة فى مناشدته لتحقيق ـ هذا ـ الالتفاف المطلوب حول شخص الملك كخطوة داعمة فى طريق المطالبة بعودة الشرعية الدستورية للبلاد، وهى الهدف الأحادي الذى تبناه الاتحاد الدستوري الليبي ويسعى بشتى الوسائل إلى بلوغ غايته.

وهنا اعترض سيف النصر على مطالبتي له بالالتفاف حول الملك إدريس، فهذا ما يرآه ـ فى ذلك السياق ـ إهانة له ولأفراد أسرته الذين دأبوا على تقديم أسمى صور الوفاء والإخلاص والولاء للحركة السنوسية منذ إنبثاقها فى أوآخر القرن الثامن عشر.

وقال سيف النصر مسترسلاً بأن الولاء للملك إدريس ـ هو ـ واجب وفرض عين على كل فرد فى عائلة سيف النصر، ولا يحتاجون معه من أحد أن يحثهم على إظهاره أو البرهنة على صدقه.

واسترسل سيف النصر فى تأكيد محبته وولاءه للملك إدريس بعبارات حماسية كان يقوم فى أثناءها بإلصاق أصبعي سبابته والوسطى معاً، ثم يرفعهما لأعلى رقبته، بعد أن يحنى رأسه على صدره، ويقول وهو يُشير بيده الآخرى إلى صورة الملك إدريس المتربعة على الحائط الذى أمامه، بأن رقاب أفراد عائلة سيف النصر لم تخضع ـ ولا أدانت بالولاء فى يومٍ ـ لأحد سوى لهذا الرجل.

فما كان مني ـ فى حينه ـ إلاّ أن أقريت بصحة إحتجاجه المسرود، وذلك لعلمي اليقين بتاريخ عائلته فى التفانى لخدمة الحركة السنوسية والولاء لها ولسادتها، وقلت له بأنه ليس هناك مشكلة إذن ! فليقم ـ وهو سيد مطاع فى قومه وبين أقرانه ـ بجمع نفر من الشخصيات الليبية المرموقة من المتواجدين بمصر وغيرها من الدول الأخرى، ويتوجه بهم إلى الملك لمعاضدته وتجديد البيعة له.

وقلت له ـ فى هذا الصدد ـ إن العبرة فى نهاية الأمر تقاس بمدى النجاح الذى تم تحقيقه على مستوى المصلحة العامة لقضيتنا الوطنية، ولا يعنى ذلك البتة احتكار التوجهات المؤدية إلى تحقيق المصلحة المنشودة.

بمعنى آخر، إن الاتحاد الدستوري الليبي لا ينشد من الآخرين الإنزواء تحت جناحه من أجل تحقيق المصلحة المشتركة، بل يشجع ـ وبشدة ـ على تعدد محاور العمل فى الإتجاه المؤدى إلى بلوغ الأهداف المعقود عليها آمال شعبنا.

والمعنى هنا، إن سيف النصر لم يكن يحتاج إلى الاتحاد الدستوري الليبي لتبيان عضده ومؤازرته وولاءه للملك إدريس، فالمجال مفتوح له ولغيره، لكى يصححوا وضع الصورة المقلوبة لقضية بلادنا، والتى لم يكن لها أن ترى نصابها الطبيعي بدون الالتفاف حول الملك كخطوة تفضى إلى إعادة الشرعية الدستورية المغدورة إلى سابق عهدها فى ربوع البلاد.

وزيادة فى الحرص على إتمام المراد، عرضت على السيد سيف النصر أن أرتب له لقاء مع الملك إدريس لزيارته بصحبة نخبة من الشخصيات الليبية للتعبير ـ له ـ عن ولائهم وإخلاصهم. فشكرني بإمتنان شديد على عرضي، وقال بأنه لا يحتاج لواسطتي، فطريقه إلى ـ زيارة ـ الملك أبوابه مشرعة له حين يشاء ويرغب.

وهكذا، ودعت سيف النصر وسريرتي مفعمة بانطباع أن ينمى إلي مسامعي خبر يُفيد بزيارته للملك إدريس مصحوباً بثلة من أعيان الليبيين لمؤازرته ودعمه وتجديد البيعة له، ولكن عوضاً عن ذلك سمعت ـ بعد فترة وجيزة ـ بخبر انضمام سيف النصر لتنظيم الأستاذ عبد الحميد البكوش؛ والبقية تاريخ يعلمه كل من أطلع عليه، فقد توفى الملك إدريس (رحمه الله وأسكنه فسيح جناته) دون أن تتحقق تلك الزيارة المأمولة فى هذا المنوال.

 

يـتبـع ..

محمد بن غلبون

 26أكتوبر 2006

chairman@libyanconstitutionalunion.net

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تفاصيل هذه الزيارة واللقاء بالأستاذ عبد الحميد البكوش مدون بالجزء الرابع من هذه المقالة.

[2] ذهب ظني عندما أفصح لي الحاج غيث سيف النصر ـ فى اتصاله التليفوني ـ عن رغبته فى زيارتي، بأن ذلك من أجل دعوتي لتناول الإفطار فى بيته.

[3] نحى تفكيري لتفسير تلك العصبية والحدة البالغة التى كان يخاطبني بها الحاج غيث سيف النصر آنذاك إلى كونها لا تتعدى أحد أمرين. أولهما، إنه كان واقع تحت تأثير الصيام الذى ينتاب البعض ـ تحت جبروت سطوته ـ شعور بالعصبية والتوتر !. وثانيهما، إن تلك العصبية والحدة الظاهرة، هى من سيماء طبيعته التى جُبل عليها، ويتعامل بها مع الآخرين !. لكنني وقعت فى مغبة الخطأ المبين، عندما  اكتشفت ـ لاحقاً ـ عدم صحة تأويلي فى كلى الأمرين !!.

[4] لقد حدث ـ وبكل أسف ـ كافة ما توقعته فى هذا الخصوص.

[5] لقد أرسلت للسيد سيف النصر، عن طريق البريد ـ أسوة بالشخصيات الليبية الآخرى ـ كافة المطبوعات الصادرة عن الاتحاد الدستوري الليبي مدعمة برسالة شخصية، وذلك ضمن حملة المراسلات التى تبناها الاتحاد الدستوري الليبي فى فترة الإعلان عن تأسيسه. وقد لمحت له فى رسالتي المشار إليها، والمرفق صورة منها أدناه، بأن يرسل نسخ من مطبوعات الاتحاد الدستوري الليبي إلى الحاج غيث سيف النصر، الذى لم أتمكن من الحصول على عنوانه، وفى غضون الوقت يهمني أن يحاط علماً بماهية الاتحاد  الدستوري الليبي وتوجهه، وذلك من أجل كسب تعاونه وتأييده. وقد أشرت للحاج غيث سيف النصر فى رسالتي المذكورة ـ من باب الخطأ ـ كشقيق للسيد سيف النصر عبد الجليل، ليتضح لي فيم بعد بأن الآخير عمه، وليس شقيقه كما كُنت أظن، حيث صحح لي سيف النصر هذا الالتباس عندما التقيته لاحقاً.

------------------------------------------------

نسخة من رسالة الاتحاد الدستوري الليبي إلى السيد سيف النصر عبدالجليل سيف النصر بتاريخ 5 فبراير 1982

 

 

 
 

نشرت هذه الحلقة يوم السبت 28 اكتوبر 2006 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الحادي عشر

[2] الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي

 

محمد علي عريبي ..

ينحدر محمد علي عريبي ـ الذى يُعتبر أحد وجهاء قومه ـ من إحدى عائلات البربر الكريمة البارزة. ويُعد أحد الشخصيات المعروفة على نطاق المنطقة الغربية فى ليبيا، وأحد الأثرياء الناجحين فى عالم التجارة والأعمال.

اتصل بي عريبي بعد اطلاعه على كتيبات الاتحاد الدستوري الليبي، الذى أعجبته فكرته وطرحه الوطني، لترتيب موعد للقائه فى المغرب التى كان يقطن بعاصمتها الرباط بصفة دائمة، ويحوز على مكانة مرموقة فيها، ونفوذ بالغ ـ لا يمكن للعين المدربة أن تخطىء رصده ـ فى داخل دوائرها السياسية.

وحين اللقاء ـ الذى تم فى سنة 1982م ـ سادت بيننا ألفة وود بالغ، حدثني عريبي فى أثناءه عن علاقة الصداقة والتجارة التى ربطته بوالدي فى فترة الاحتلال الإيطالي لليبيا، كما حدثني عن العلاقة الوطيدة التى ربطته بخالي محمود دربي (رحمه الله) ـ أثناء إقامته بمدينة طرابلس ـ والتى استمرت بينهما حتى غادر عريبي ليبيا.

 ** * **

لقد سُعدت فى قرارة نفسي بما عبر به عريبي من ود مفرط لشخصي ولكيان الاتحاد الدستوري الليبي، والذى ترجمه فى إفصاح صريح لاستعداده بمؤازرة وتأييد وتقديم عونه وخدماته للنشاطات التى يزمع الاتحاد الدستوري الليبي خوضها من أجل تحقيق أهداف فكرته المنشودة.

وظننت فى ذات نفسي ـ فى حينه ـ بأنني قد كسبت أعلى جوائز يانصيب الحظ فى معترك السعى لتأمين الدعم لنشاطات الاتحاد الدستوري الليبي !.

 ** * **

ورغم استيعاب محمد علي عريبي لمضمون الفكرة القائمة عليها أهداف الاتحاد الدستوري الليبي، إلاَّ أنني قد وجدت من الضروري أن أنوه له عن أهمية وضرورة تأييد البربر لأي عمل يرتكز قوامه على إعادة الشرعية الدستورية للبلاد، المستمدة لروح قواها من دستور الأمة الذى نالت بموجبه استقلالها.

وقد أوضحت لعريبي، فى هذا الإطار، بأن السبب الذى يحث البربر ـ بالذات ـ لتسخير دعمهم ومناصرتهم لعودة الشرعية الدستورية لربوعها المعهودة فى البلاد، يكمن فى نصوص وبنود دستور الأمة.

بمعنى أكثر وضوحاً، إن دستور الأمة الليبية الذى يفرض الواجب على الجميع، وتفرض المصلحة العامة لأفراد الشعب الليبي بشتى طوائفه، التمسك بوجوده والإصرار على إعادة تفعيله، قد راعى فى طيات نصوصه ـ بشدة دامغة ـ على تمكين كافة مواطني الدولة الليبية من حقوقهم المدنية والسياسية دون أدنى تفريق بينهم على أساس عرقي أو طائفي.

فقد نصت بنوده على كفالة حقوق وحريات كافة أفراد الشعب الليبي دون تمييز بينهم على أساس العرق والدين، ومن ثمة ساوى بينهم ـ جميعاً ـ فى الحقوق السياسية والاجتماعية والقانونية.

بمعنى، إن الدستور قد راعى حقوق الأقليات وحرياتهم فى ليبيا[1]، حيث مكنهم من ممارسة كافة حقوقهم العرقية، وشعائرهم الدينية، وجعل من نصوص القانون الواردة فى بنوده أداة الحمى لهم ولتقاليدهم المتوارثة، وجعل منها ـ من ثمة ـ الكافل لحقهم فى ممارسة هذه الحقوق بمطلق الحرية والأمان.

 ** * **

لقد كان لزاما علي أن أذكر لمحمد علي عريبي بأن الشرعية الدستورية فى ليبيا التى أستقت مَضنُونُ روحها من دستور الأمة، كانت تقف إلى جانب المواطن الليبي الذى ضمته أرض الوطن، بغض النظر عن خلفيته العرقية أو الدينية، فلم يكن هناك تمييزا ـ فى ظل أحكام نصوص الدستور ـ بين أحد من أبناء الشعب الليبي وسواه فى الحقوق والواجبات.

وقد أشرت أيضاً لعريبي، فى هذا الغمار، بأنه من شدة حرص المؤسسين للدولة الليبية ـ فى عشية الاستقلال ـ على مراعاة الاختلاف فى تركيبة نسيج الشعب الليبي الكامنة فى انحدار بعض أطيافه من أجناس بشرية مختلفة، إلى إنهم قرروا عدم إلحاق كلمة العربية بإسم الدولة الوليدة، ولهذا رأينا كيف ولدت دولة ليبيا الجديدة تحت اسم المملكة الليبية المتحدة.

ودواليك، بعد إلغاء نظام الولايات فى سنة 1963م تم تسميتها المملكة الليبية، على الرغم من سيل الضغوط الجارفة التى مارسها البعض[2] على إدارة حكم النظام الملكي لإلحاق كلمة العربية بإسم الدولة الليبية، والتى رآها أصحاب القرار ـ آنذاك ـ إجحافاً بحق الأقليات الليبية التى لا تنحدر فى سلالتها من الأصول العربية.

ورغم شدة اهتمام القائمين على إنشاء الدولة الليبية لضمان سواسية المواطنين أمام سلطتها، ورغم حرصهم البالغ لتمكين الأقليات من حقوقهم التى قد يعبث بها بعض المغرضين، إلاّ إننا نجد أنهم قد غفلوا ـ بحسن نية ـ عن ظاهرة لم يكونوا يعرفون فى حينه أنها ستكون لها سلبياتها على سير الحياة السياسة فى دولتهم الجديدة فيم بعد.

وهذه الظاهرة تتمثل فى القبلية وتركيبتها المحتوية على ازدواجية الولاء الذى يميل فى غالب الأحيان لترجيح كفة القبيلة ـ فى ميزان الانتماء والولاء ـ أكثر منه لكفة الدولة التى تضم هذه القبائل وكافة الطوائف والأفراد الآخرين فى داخل المجتمع الليبي.

فقد كان لإساءة استخدام بعض أقطاب مجموعة من القبائل القليلة لنفوذهم السياسي لصالح قبائلهم على حساب مصلحة الدولة ورعاياها الآخرين، نتائجه السلبية الوخيمة التى أدت فى المنتهى إلى استغلاله من قبل حفنة من العسكر كذريعة لتنفيذ انقلابهم المشئوم.

ولأن هذا الموضوع يحتاج لشرح أطول ومساحة أكبر، لا يمكن تغطيته فى سطور قلائل، فقد رأيت أن أفرد له جانب فى نهاية هذا الجزء لتوضيحه وسبر غور حيثياته، وذلك حتى لا يشتت ذهن القارىء بهذا الموضوع العارض والهام فى ذات الوقت.

 ** * **

وعودة لموضوعنا، فقد أقر عريبي بتميز الدستور الليبي وصفاء عدله إزاء تنظيم وتسيير أركان الحياة فى الدولة الليبية، وشهد بإنصاف واضعيه الذين راعوا حقوق الأقليات، وهذا على العكس تماماً من حكام نظام الانقلاب العسكري.[3]

وهكذا، قال لي بأنه قد جند نفسه منذ تلك اللحظات كرسولٍ ـ عني ـ لأوساط الأخوة البربر، وذلك من أجل حثهم على دعم وتأييد توجه الاتحاد الدستوري الليبي حتى تتحقق أهدافه المأمولة.

وتوطدت مع الأيام ـ من ناحية أُخرى ـ أواصر الصداقة بيني وبين عريبي، حيث أخذت لقاءاتنا الثنائية، وأحاديثنا الاجتماعية عبر المسرة صورة روتينية لم أكن أرى فى الأفق ما يمكن أن يحجبها.

وجدّ فى الأمر حدث لم أتوقعه، لكنه لم يفاجأني، حيث لم تمض فترة طويلة على صداقتي الناشئة بمحمد علي عريبي، حتى أبلغني برغبة بعض مسؤولي حكومة الولايات المتحدة الأمريكية فى الإلتقاء بي من أجل الحديث حول كيان الاتحاد الدستوري الليبي وتوجهه ومستقبل نشاطه.

وفوجىء عريبي بموافقتي المباشرة على قبول مضمون رسالته التى بلغني بها، وعدم ممانعتي على تنفيذها؛ فلم يكن يدرى عريبي بأن حساباتي ونظرتي لآفاق العمل النضالي الوطني هى أكبر بكثير من قصرها على منطقة موضع أقدامي.

بمعنى آخر، إن تحرير ليبيا من براثن حكم نظام الانقلاب العسكري، من خلال خطة العمل التى تفرضها عملية الكفاح الشاقة لإعادة الشرعية الدستورية لنصابها المعهود فى البلاد، يتطلب كسب الرأي العالمي على مستوى حكومات الدول المؤثرة فى حركة نظام الفلك السياسي للعلاقات الدولية.

وإذا سلمنا بأن أهمية المطلب السابق يضعه فى أعلى سلم أولويات خطة العمل المرسومة لتحقيق الأهداف المنشودة، فكسب الولايات المتحدة الأمريكية ـ أكبر قوة مؤثرة فى إطار حركة التوازن الدولي فى عالمنا المعاصر ـ إلى جانب حق الشعب الليبي العادل فى إعادة شرعيته الدستورية فى الحكم، يضعها ـ فى هذا المضمار ـ بأعلى سلم الدول التى يتم مناشدتها لتحقيق هذا الغرض.

وقد خالني أن عريبي لم يكن يدرى بما يجول فى خاطري من خطة شاملة لكافة أبعاد وأوجه البؤر الهامة والرئيسية فى إطار تحقيق أهداف فكرة الاتحاد الدستوري الليبي، ولهذا فقد باغتته مفأجآة موافقتي الفورية على اللقاء بممثلي الحكومة الأمريكية؛ فجل ظني أنه قد اعتقد فى ذات نفسه أنه سيخوض نقاشا ـ عصيبا ـ أعد له من بليغ الكلام فى نفسه ما يكفى لمحاولة إقناعي بمحاورة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية.

 ** * **

وهكذا، تم لقائي بممثلي الحكومة الأمريكية الذين رتب لي عريبي مسألة اللقاء بهم. ولعدم إضاعة الوقت فى الخوض فيم جرى أثناء هذا اللقاءات التى وصلت فى نهايتها إلى طريق مسدود، فقد سبق لي نشرها بكافة تفاصيلها على صفحات جريدة الحياة اللندنية، وسوف يجد من يرغب فى الاطلاع عليها الرابط الذى يحويها فى إحدى الحواشي المدونة أدناه.[4]

ومع شدة الأسف، قطع محمد علي عريبي كافة صلاته بي فور فشل محادثتي مع ممثلي الحكومة الأمريكية. وحاولت ـ فى تلك الآونة ـ تكراراً ومراراً الاتصال به، لكني كُنت أُجابه بتهربه، وتجنبه الحديث معي.

و بانقطاع تلك الصداقة القصيرة التى نشأت بيننا ـ والتى كُنت أعول على صدقها وطهرها ـ ذهبت وعود عريبي بتأمين تأييد أهل البربر ومؤازرتهم لتوجه الاتحاد الدستوري أدراج الرياح، وذهبت معها عهوده التى قطعها بالمساهمة فى تمويل نشاطات الاتحاد الدستوري الليبي.

 ** * **

تأثير إساءة استخدام النفوذ القبلي فى الحياة السياسية فى ليبيا ..

 

فيم يلي سأسرد فى شرح وافي لخلفية تأثير العَصَبِيَّةُ القبلية على عقل الفرد المنتمى إليها وانعكاسه على مشاركته السياسية فى داخل الدولة التى تضمه وقبيلته بكيانها.

وتقع ضرورة الشرح لهذه الخلفية من الأهمية التى لا تترك ـ لي ـ معها المجال لتجاهلها أو غض الطرف عنها. وذلك لأنها ستمكن القارىء من فهم الأسباب الكامنة وراء اتخاذ بعض الشخصيات ـ التى أتى على ذكرها فى هذه المقالة التوثيقية ـ لمواقفهم المشار إليها.

ومن هنا، سوف أقدم ـ فيم سيلي ـ شرحا حول تركيبة التكوين القبلي والمبادىء التى تحكمه، والتى يقع كاهل المسئولية عليها فى التأثير على علاقة أفراده بسلطة الدولة التى ينتمون إليها. وسأدلل، كلما دعت الحاجة فى هذا السياق، بأمثلة من واقع الأحداث، علها تدعم ـ بجهارتها ـ صحة التحليل الوارد فى هذا الصدد.

 ** * **

القبيلة والمبادىء التى تحكمها ..

 

تعتبر القبيلة من أولى التجمعات المنظمة التى عرفها التاريخ الإنساني قاطبة، فلم يعرف الإنسان على مر عصور حياته فوق سطح كوكب الأرض شكلا ـ اجتماعيا ـ من أشكال العَصَبِيَّةُ، يضمه وآخرين من بني جنسه فى إطاره مثل الكيان القبلي.

والقبيلة ـ مثلها فى ذلك ـ مثل كافة الأشياء الأخرى في هذه الدنيا قد نشأت تحت وطأة الحاح حاجة الإنسان لها، فصراع الإنسان مع غرماءه من بني جنسه قد دعته إلى البحث عن تعضيد نفسه بالأقرب إليه من بني جلدته ضد الآخرين.

ومن هنا، عرف التاريخ الإنساني أولى لبنات تجمعات أصحاب صلات الدم الواحد من ذوي القربى في محاولة لخلق تجمعات مترابطة ذات أهداف ومنافع مشتركة، تذود فيها مثل هذه الجماعات ذات القرابة الدموية عن مصالحها إزاء الجماعات الأخرى المتنازعة معها على تلك المصالح، فتكونت منذ ذلك التاريخ الضارب في قدمه العشائر ومن ثم القبائل لتصبح بعد ذلك نواة وركيزة أساسية في البنية القومية للمجتمعات البشرية ـ المتنوعة ـ الحديثة.

ولم تسثن أي منطقة من بقاع الأرض المختلفة عبر التاريخ الإنساني من وجود التنظيم القبلي فيها، فقد عرفت كافة المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها المتواتر التكوين القبلي وانتهجت أساليبه وسلوكياته، وذلك رضوخاً لحاجة الإنسان فيها لاقتناء القوة من أجل الحفاظ على مصالحه المشتركة مع أبناء رابطته الدموية.

غير انه في الأزمنة الحديثة من القرون الآخيرة للمسيرة البشرية، وتحت نير التطور الإنساني بدأ التكوين القبلي في كثير من المجتمعات المختلفة من مناطق العالم يتلاشى لحساب التحول إلى كيانات المجتمعات المدنية أو الحضرية التى ظلتها الدولة تحت سقف أقبية قوانينها الوضعية.

وقد تحول ـ فى هذا الصدد ـ المجتمع القبلي إلى مجتمع مدني أو حضري نتيجة التطور التاريخي للبشرية عبر العصور، والذى فرضته مصلحة الإنسان الساعية إلى تحسين وضعه المعيشي فى إطار جديد ترعاه الدولة الشاملة لكافة أفراد المجتمع بشتى أعراقهم المختلفة، تحت مظلة من القوانين التى تنظم علاقات ـ هؤلاء ـ الأفراد بعضهم بالبعض الآخر، وتحضنهم برعايتها دون تمييز بينهم أو تفريق.

إلا إنه ـ من ناحية أُخرى ـ لا زالت بعض التكوينات القبلية في بضعة من المجتمعات الإنسانية، وعلى وجه الخصوص في بعض مجتمعات الدول العربية، تحتفظ بشكلها البدائي الذى فطرت عليه منذ ألآف السنين، حيث نجدها لم تندمج أو تحقق الذوبان فى بوتقة الدولة الحاضنة لها فى الإطار العام للمجتمع بأسره؛ فظلت ـ فى هذا الصدد ـ تمتثل لغريزة مصالحها الضيقة المحصورة فى نطاق أفراد قبيلتها أكثر من انتمائها وولائها للمصلحة العامة لمجتمع الدولة ـ المعنية ـ ككل.

ولا ريب فى إنه هناك مبادىء أو نواميس تحكم تركيبة تكوين البنية القبلية فى شكلها البدائي، وتتحكم من ثمة فى منهجها السلوكي، والتى يمكن تلخيصها فى النقاط التالية:

  •  مصلحة الفرد في القبيلة هى مصلحة للقبيلة بأكملها طالما كانت تتطابق مع مصالح بقية الأفراد فى داخل منظومة القبيلة ذاتها، ولا تتعارض معها.

  • مصلحة القبيلة تنصب وتتركز في السعى إلى تحقيق مصالح أفرادها التى هى إحدى أهم الغايات المنشودة.

  • إن حماية مصالح القبيلة، والذود عن حرماتها وممتلكاتها، هى أولى الغايات المنشودة في العقلية التى تحرك الوجدان القبلي.

  • أن الطاعة العمياء والانصياع لأوامر شيوخ ورؤساء القبائل من أهم السمات التى يتحلى بها كل فرد في القبيلة والتى تعد يقين راسخ في وجدانه لا يحيد عنه ولو بقيد أنملة.

  ** * **

وعندما نترجم هذه المبادئ فى أرض الواقع عن طريق ـ محاولة ـ تطبيقها فى داخل إطار كيان الدولة الشامل، فإنه من المحتم أن تصطدم إحداها أو عمومها ـ عند نقطة ما ـ بقوانين الدولة المنظمة لعلاقة الأفراد فى داخل كيانها.

والسبب ـ ببساطة ـ يكمن فى أنه لم يتم تسييس القبيلة لكى توحد أهدافها في إطار مصالح وأهداف الدولة التى تضمها وبقية أفراد وفئات المجتمع الآخرى المختلفة، فى تناغم وتناسق وإتساق يحقق المصلحة العامة لكافة أفراد المجتمع بمختلف أفراده وعشائره وقبائله وأقلياته الدينية والعرقية، بحيث يعمل الجميع لتحقيق مصلحة الدولة التى ينتمون إليها جميعاً، وليس لتحقيق مصالح كياناتهم القبلية والعرقية على حساب المصلحة الأساسية لمواطني الدولة بأسرها.

وهذا هو الخطأ الكبير الذى لم ينتبه لخطورته أصحاب الوعي السياسي فى إدارة نظام الحكم الملكي، حيث تركوا الحبل على الغارب لسيطرة الكيان القبلي على ـ بعض أوجه ـ القرار السياسي فى الدولة الناشئة، دون التفكير فى الإقدام على إجراء محاولة جادة لتسييس الكيان القبلي وعصرنته حتى يتمكن من إداء وظيفته بصورة طبيعية فى داخل كيان الدولة، وذلك عن طريق مساهمة أفراده ومشاركتهم في عملية صنع القرار من خلال القنوات السياسية المتاحة لجميع أفراد المجتمع بأسره.

وقد أدت فداحة هذا الخطأ ـ الموروث ـ إلى تعاظم وتفاقم حدة الخلل فى علاقة الفرد بسلطة دولته من ناحية، وجعل ـ من ناحية أخرى ـ من بعض القبائل النافذة مراكزا للقوة تتحدى سلطة الدولة وتقرعها عند الاصطدام بها، ولا ترتدع ـ من ثمة ـ لسلطان قوانينها. ولعلنا نجد ذلك واضحاً من خلال المثالين التاليين:

  1. إخراج إحدى القبائل ـ عنوة ـ لأحد أفرادها من قاعة المحكمة، التى كان يمثل أمامها بتهمة إصدار أوامره لقوات الأمن باستخدام الأعيرة النارية عند التصدى لمظاهرات الطلاب فى يناير 1963م، مما أدى إلى سقوط بعض الضحايا.

  2. توجه جمع غفير من أفراد بعض القبائل للديوان الملكي، والاعتصام أمامه لمنع الملك من تقديم إستقالته، وإجباره على سحب إقتراحه بتغيير نظام الحكم الملكي إلى نظام حكم جمهوري فى حقبة الستينات.

 ** * **

وهكذا، وبنظرة خاطفة، يمكن تعليق معظم أخطاء الحكم الملكي فى ليبيا على مشجب السيطرة القبلية على مقاليد الحكم، وهذا ما يحمل ـ فى جزء منه ـ لجانب من الصواب، لكنه فى إطار المنظور الكامل للحقيقة التامة، تُعد السيطرة القبلية على مقاليد الحكم فى ليبيا أبان العهد الملكي نتيجة لسبب آخر يقف ورائها !.

وهذا السبب، الذى تجاهله الجميع، ومن بينهم المحللون وأصحاب الرؤى الواعية و المتابعون والمهتمون بالشأن الليبي، تنحصر طامته فى تركيبة القبيلة البدائي وما يحمله فى متنه من مبادىء لا تتفق وروح العصر الذى نشأ فى ظله كيان الدولة الحديثة.

بمعنى آخر، إن تلك المبادىء القائمة على العَصَبِيَّةُ، هى صاحبة المسئولية الحقيقية فى امتطاء بعض القبائل لصهوة العنجهية المتخلفة، من خلال رفضها الانصياع لسلطة الدولة وتحدى قراراتها المنظمة لمسار علاقات أفراد الشعب الذى تظله بكيانها، والذى تُعد القبيلة ـ فى هذا السياق ـ تمثل إحدى شرائحه.

 ** * **

ومن هنا، فإن تسييس الكيان القبلي عن طريق التوعية التى تغرس فى عقول أفراده مفهوم الولاء والانتماء للوطن ككل لا يتجزأ ـ كان ـ ضرورة لا بديل لها فى داخل مجتمع لازالت بعض شرائحه يُهيمن على تفكيرها عَصَبِيَّةُ تليق بسكان قرون الألفية الأولى للتاريخ البشري المعروف.

حيث يُعقد الأمل ـ فى هذا الإطار ـ على أن تحقق عملية تسييس وتوعية أفراد الكيان القبلي غرضها المنشود فى القضاء على شوفانيتهم التى يؤثرون معها مصالح قبائلهم على حساب مصلحة بقية أفراد وشرائح المجتمع الآخرى. كما يأمل منها ـ فى هذا الغمار ـ أن تعمق فى نفوسهم مفهوم الانتماء الصرف للوطن بذاته، وليس للقبيلة أو العشيرة أو الأقلية العرقية. فيتحقق ـ نتيجة لذلك ـ سيادة وسيطرة الدولة المعنية على كافة أركانها، ويتساوى من ثمة مواطنيها أمام سلطتها ونظام حكمها، بغض النظر ـ فى هذا الشأن ـ عن اختلاف مشاربهم القبلية أو العرقية.

ولكن الواقع ـ كما نعلمه ـ قد عرف إبان فترة العهد الملكي، هيمنة العَصَبِيَّةُ القبلية على بعض أوجه صنع القرار السياسي، الذى تكون ـ من جرائه ـ خلل مزمن فى طبيعة العلاقة بين الفرد وسلطة دولته، وأدت نتائجه السيئة إلى شل قدرة الدولة على فرض هيبتها لتنفيذ القوانين المنظمة لمسارها فى داخل كيانها الشامل.

وقد استغل نظام الحكم غير الشرعي الذى وصل إلى سدة الحكم فى ليبيا عن طريق الانقلاب العسكري فى سبتمبر 1969م ـ نفس هذه العَصَبِيَّةُ ـ لأغراضه الخبيثة المبيتة بعد ذلك.

ومن ناحية أُخرى، فإن القبيلة تُعد كيانا له اعتباره وأهميته في النسيج الاجتماعي لليبيا، وله ـ أيضاً ـ غلبته على تركيبتها السكانية. ومن هنا، فإنه من الجدير بالأهمية أن يتم السمو به، وإثراء تكوينه الأصيل، من خلال توعية وتسييس أفراده لتقديم الانتماء والولاء للوطن على الانتماء والولاء لقبائلهم، فهذه هى الوسيلة النموذجية لإزالة ازدواجية الولاء و الانتماء التى يعاني منها الكثير من أفراد الكيان القبلي فى هذا الخصوص.

 ** * **

ولعل العَصَبِيَّةُ القبلية هى التى حركت ـ بنعرتها الحادة ـ وجدان الحاج محمد السيفاط، ولم تمل عليه عدم مؤازرة فكرة الاتحاد الدستوري الليبي وتأييدها فحسب، بل إنها دفعته لمعاداتها ومحاربتها، وذلك لكونها قد صدرت عن أحد شخصيات الحضر، ولم تكن فى أساسها منطلقة مبادرتها من أتون الكيان القبلي، الذى اضطلع بمهمة الجهاد فى فترة الاحتلال الأجنبي للبلاد، وساس حكم البلاد من خلال التفافه حول شخص الملك فى فترة ما بعد الاستقلال.

وحتى يتم إضفاء صحة على هذا الرأي، والبرهنة على صدقه، سأقوم ـ فيم سيأتي ـ بسرد بعض الوقائع والأحداث فى هذا الشأن.

 ** * **

لقد نمى إلى علم السيد حسين مازق (رحمه الله) ما كان الحاج محمد السيفاط يقوم به من نشاط مناوىء لتوجه الاتحاد الدستوري الليبي؛ فوقع فى حيرة من نفسه، لأنه كان يعلم بأن توجه الاتحاد الدستوري الليبي يقوم فى أساسه على المناداة بإعادة الشرعية الدستورية إلى البلاد من خلال الالتفاف حول ممثلها الملك إدريس السنوسي.

وترجع أسباب حيرة حسين مازق فى هذا الشأن، إلى إن قبيلته (البراعصة) ـ التى يُعد الحاج محمد السيفاط أحد أبرز شخصياتها ـ كانت فى يومٍ إحدى نواصي وأركان نظام حكم الملك إدريس السنوسي البارزة. فلا يعقل ـ والحال كذلك ـ أن يقوم السيفاط وهو أحد أعمدة هذه القبيلة بمناوئة كيان الاتحاد الدستوري الليبي الذى تقوم ركائز فكرته على إعادة الشرعية الدستورية وتطالب جموع الليبيين الالتفاف حول الملك إدريس !.

وهكذا أرسل السيد حسين مازق رسولاً من طرفه إلى الحاج محمد السيفاط محملاً بسؤال مركب يحتوى فى متنه على شقين، اجتهد صاحبه على تحديد ضالته المنشودة ـ من وراءه ـ فى بحثه عن إجابة شافية تجلى له غموض هذا المشهد المحير، وتميط اللثام عن الغموض الذى يحيط به.

وكان السؤال ـ المعنى ـ يسعى فى شقه الأول إلى معرفة موقف الحاج محمد السيفاط المريب فى هذا الإطار، بوجه عام ؟.

ويطرح ـ صاحب السؤال ـ فى شقه الثاني تساؤلين آخرين ، يحملان فى طياتهما حدسين سيتبين من خلالهما ـ إذا صدقا فى فراستهما ـ أسباب العلة التى دفعت بالسيفاط لتبنى موقفه المعادى لتوجه الاتحاد الدستوري الليبي وتشنيعه على مؤسِسِهِ محمد بن غلبون.

ويفيد التخمين أو الحدس الأول بأن السيفاط ـ ربما ـ اتخذ موقفه المشار إليه بسبب عدم اقتناعه بأن الملك إدريس لم يبارك قيام الاتحاد الدستوري الليبي كما أدعى مؤسِسِه محمد بن غلبون !.

ويفيد التخمين الثاني بأن مؤسس الاتحاد الدستوري الليبي لم يتبع البروتوكول اللائق عند اتصاله بالحاج محمد السيفاط لإعلامه بتأسيس كيانه المنوه عنه، فلم يراع مكانة السيفاط المرموقة ومقامه الموقر، أو إنه أساء للسيفاط بعمل فج لا يتفق والسلوك السوى، وهذا ما أدى بدوره إلى ترك مرارة فى نفس السيفاط، دفعته بغبنها إلى تبنى موقفه المشار إليه إزاء الاتحاد الدستوري الليبي ومُؤسِسِه محمد بن غلبون !.

ومن هنا، إذا كانت المسألة برمتها محددة بالطرح الذى يحمله التخمين الأول، والمتمثل فى إدعاء بن غلبون بمباركة الملك لنشاط الاتحاد الدستوري الليبي، وثبت ذلك بالدليل والبرهان القاطع، فإنه فى هذه الحالة لا تعزير للسيفاط ولا ملامة عليه.

إما إذا تحددت المسألة فى إطار من التخمين الثاني، الذى يآول أمره إلى عدم تبجيل بن غلبون لمكانة السيفاط عند إعلامه بتأسيس كيان الاتحاد الدستوري الليبي، أو إساءته إليه بطريقة ما، فأنه فى هذه الحالة يمكن تعزير بن غلبون عن طريق أهله الذين تربطهم علاقة قوية بصاحب الأسئلة (حسين مازق)، فيعتذر ـ من ثمة ـ للسيفاط عن الإساءة التى لحقت به منه.

 ** * **

ونقل مرسول حسين مازق إليه إجابات سؤاله المركب، من قبل الحاج محمد السيفاط، والتى أفادت بأن بن غلبون لم يسيء إليه البتة، بل على العكس من ذلك، كان كيس ومراعى لكافة قواعد السلوك القويم فى التعامل معه. ومن ناحية أخرى، فإن الملك بالفعل قد بارك وشجع قيام وتأسيس الاتحاد الدستوري الليبي.

وإن السيفاط قد اتخذ موقفه المعادى من الاتحاد الدستوري الليبي ومؤسسه محمد بن غلبون، لأنه كره أن يقوم أحد أبناء الحضر بخطوة لا يكمن فى لدنها الحل للقضية الليبية الشائكة، بل أنها ستلصق العار برجال القبائل الذين حكموا بأسم الملك إدريس السنوسي إبان فترة العهد الملكي، وأداروا الآن ظهورهم لمثل هذا التوجه المحمود، ناهيك عن الشعور بالمرارة التى ـ قد ـ تعتمل بها أنفسهم لكونهم فشلوا فى المبادرة بهذا التوجه النير، بعد أن خانتهم أذهانهم فى التفتق بمثله قبل أن يسبقهم عليه محمد بن غلبون.

ومن هنا، فإن المصلحة تقتضي أن يتم محاربة كيان الاتحاد الدستوري الليبي، والعمل على إفشاله حتى لا يكون وصمة بائنة ـ وشهادة ـ على تقصير رجال هذه القبائل فى هذا الخصوص. ومن ناحية أُخرى، لا يوجد ما يمنع أن يقوم أحدهم فى المستقبل بإعادة طرح هذا التوجه المنوه عنه.

وللقارىء أن يرى مدى تأثير العَصَبِيَّةُ القبلية ـ التى قدمت لها أعلاه ـ فى إيثار مصلحة القبيلة على مصلحة الوطن.

 ** * **

وبدت للسيد حسين مازق الحقيقة واضحة بوجهها الكريه، ولام السيفاط على موقفه غير العادل فى هذا الغمار، وطلب منه أن يكف عن مناوئة نشاط الاتحاد الدستوري الليبي ومؤسسه محمد بن غلبون، إذا كانت نفسه غير قادرة على الانضمام إليه ومؤازرته ودعمه.

وطلب حسين مازق من رسوله أن يُبلغني بكافة تفاصيل هذه الواقعة، التى نقلتها للقراء ـ هنا ـ بحذافيرها، وذلك من أجل التدليل على تأثير العَصَبِيَّةُ القبلية المقيتة فى مجرى الأحداث، والتى كثيراً ما تنجح فى الوصول بها فى مواقف معينة إلى أوضاع غير حميدة.

كما كلف السيد حسين مازق رسوله بأن ينقل لي عنه كلمة واحدة وهي : "سامحنا".

 ** * **

وفى الختام، أجد نفسي مضطراً للإستعانة برواية أحد رجال المعارضة الوطنية بالخارج حول حقيقة موقف السيفاط تجاه الاتحاد الدستوري الليبي ومؤسسه محمد بن غلبون، الذى لم يواربه على الكثير من مسامريه، وذلك حتى أُضفى على حديثي حول هذه الواقعة ـ المذكورة أعلاه ـ حقها من المصداقية التامة التى حرصت طوال حياتي على أن تكون إحدى سمات سلوكي فى تعاملي مع الآخرين.

روى لي الأستاذ صالح جعودة ـ فى حضور محمود شمام ومفتاح الطيار ومحمد دربي ـ بأنه عندما سأل السيفاط فى مرة عن سبب عداءه ومحاربته لمحمد بن غلبون، وهل السبب من وراء هذا العداء ـ لابن غلبون ـ مرجعه إلى توجهه السياسي الذى بلوره فى تأسيسه للاتحاد الدستوري الليبي ؟ أم إن سبب العداء يعود لكراهية شخصية جناها بن غلبون بسبب موقف ما خرج فيه عن أصول اللياقة السلوكية معك، مما أثار حفيظتك تجاهه ؟.

وأجابه السيفاط قائلاً: "بأن فكرة توجه الاتحاد الدستوري الليبي التى تبناها بن غلبون لا غبار عليها. أما معاملته لي فقد كانت على أفضل ما يرام، فلم يخطىء ـ فى يومٍ ـ فى حقي البتة ، ولو كانت الفكرة قد أنبثقت عن ذهن أحد كبار الشخصيات الليبية، أو من أحد أبناء العائلات المعروفة كعائلتكم، لما أعرت الأمر أهمية، ولكن أن تأتي هذه الفكرة من بن غلبون، فهذه  ما نْحَمَلْهَش".

 

يـتـبـع ..

محمد بن غلبون

12 نوفمبر 2006

chairman@libyanconstitutionalunion.net

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] توجد فى ليبيا أقليات عدة، فعلاوة على البربر ـ الذين يعدون من أقدم الأجناس التى عاشت على أرض ليبيا ـ هناك الكريت (الكريتلية)، واليهود الذين رحلوا أثناء حرب 1967م.

[2] لعل أحد أبرز هذه الضغوطات التى تلقاها القائمون على إدارة حكم ليبيا ـ فى غضون ذلك الوقت ـ تلك التى كان يمارسها إعلام عبد الناصر المشبع حتى الثمالة بإحياء القومية العربية، مما كان له تأثيره الساحر على شباب ليبيا المتعطشة ألبابهم بحماس وقاد لإعادة قيام هذه القومية التى شهد ـ لهم ـ التاريخ المعاصر على انتكاستها فى معترك الصراع ضد القوميات الفرنجية.

[3] من باب المثال وليس الحصر ـ فى هذا الصدد ـ يجدر تذكير القارىء بإحدى ممارسات نظام الانقلاب العسكري القمعية ضد البربر الليبيين ، المجحفة بحقوقهم الشرعية كمواطنين، وذلك عندما قام بمصادرة حقهم فى إطلاق أسماء بربرية على أبنائهم، وفرض عليهم الأسماء العربية !.

[4] الرابط الذى توجد به المقالة المنشورة بصحيفة الحياة:

http://www.daralhayat.com/opinion/08-2005/Item-20050828-fe179261-c0a8-10ed-0038-fb5993411b13/story.html

 
 

نشرت هذه الحلقة يوم الأحد 12 نوفمبر 2006 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 

 

 
 
English List

About the LCU

Contact Us
 

 

 

Copyright 1999 LCU. All rights reserved.
Revised: March 05, 2014