Click Here For English Menu 
 

 

 

 

http://www.libyanconstitutionalunion.net  

 

www.libyanconstitutionalunion.org

&

http://www.lcu-libya.co.uk

 

 


 

(الجزء الرابع) (الجزء الثالث) (الجزء الثاني)

(الجزء الأول)

       
(الجزء الثامن) (الجزء السابع) (الجزء السادس)

(الجزء الخامس)

     

 

 

 

 

(الجزء الأول)

حقائق حول موقف الشيخ محمد بن غلبون من الملك ادريس (رحمه الله)

(نشر على صفحة انصاف بن غلبون Ensaf Benghalbonعلى فيس بوك بتاريخ 2 يوليو 2019)

 

بعد مرور أكثر من 37 سنة على مبادرة الشيخ محمد بن غلبون بزيارة الملك ادريس (رحمه الله) في منفاه بمصر وتجديده للبيعة له كـملك شرعي لليبيا ، التي أسسها ووحّدها بعد أن قاد مسيرة الجهاد لتحريرها من الاستعمار، ولإلقاء بعض الإضاءات على هذا الموضوع الهام للأجيال التي لم تعاصر الحدث وتشربت معلومات مغلوطة من معاصرين غير محايدين ولا منصفين، وكذلك لتقديم مادة تاريخية موجزة وموثّقة- يستفيد منها من يسعى لكتابة تاريخ مرحلة من مراحل تاريخ بلادنا وشعبنا -كما هي وكما حدثت- وبدون ميل ولا تحيّز ولا انتقائية وهوائية نراها للأسف تطغى على كتابات بعض المؤرخين، أو ربما الأصح وصفهم بـ " المتطفلين على التاريخ"، أكتب هذا المقال كمساهمة في تقديم صفحة مشرّفة ومشرقة تضاف إلى مثيلاتها في تاريخ شعبنا الذي هو الآن في أمس الحاجة لتذكيره بكل ما يضئ هذا الظلام الدامس الذي أسدل دياجيره على ربوع الوطن بسبب الظلم المستفحل بين مكوناته ، لعله يرفع من معنوياتهم ويستنهض الخير الذي في بواطنهم فيتساموا عن الضغائن والأحقاد، ويقدّموا عليها مصلحة الوطن والأجيال القادمة قبل فوات الأوان. فالوقت اليوم غير فترة معارضة نظام القذافي في الثمامنينيات من القرن المنصرم، والأجيال غير الأجيال، والقرّاء غير القراء، ووسائل التواصل غير ما كانت عليه في تلك المرحلة، والثابت الوحيد هي "الحقائق".

 

 

فمازال الجدل واللغط يدور حول دوافع مبادرة الشيخ محمد وأسبابها ونواياها !!!، وهو أمر يدعو الى التعجب والحيرة حقاً. وسأحاول بقدر المستطاع تحليل دوافع هذا اللغط ومسبباته بدون التوقف عنده طويلا فليس هنا مجاله. وسأتناول -بأكثر استفاضة- "الحقائق" التي عاصرتها وشهدت عليها لمن أراد الاستنارة والاستفادة. وسأفعل ذلك بتقديم المعلومات حول جزئيات متفرقة بطريقة "الجرعات" التي قد تكون منفصلة عن بعضها في بعض الأحيان، بدون التركيز على السبك والصياغة ومستلزمات وضوابط كتابة المقال فلست صاحبة باع في ذلك، فأرجو المعذرة.

وقد كتبت ما عاصرته وشهدت عليه عن كثب من الذاكرة، وسألت أخي الشيخ محمد مباشرة عن بعض التفاصيل الأخرى، ورجعت إلى الوثائق للتحقق من التواريخ والأسماء في أحيان أخرى، وتحريت بقدر المتاح ذكر مصادر معلوماتي وادراج روابط تقود إليها

أتوقع أن كثيرين لن يرضيهم نشر هذه المعلومات وأتوقع أن أخسر صداقات كثيرة بسبب ذلك، ولكن الواجب الوطني يحتّم عليّ أن أدلي بهذه الشهادة.

 

 

بادر الشيخ محمد بزيارة الملك ادريس ( رضي  الله  عنه)في شهر أغسطس سنة 1981، وكانت تلك أول مقابلة له بالملك الصالح، حيث لم يكن الشيخ محمد ينتمي إلى أي من أركان العهد الملكي المدنية أو العسكرية، ولا كان لأسرته ارتباطاً بالحركة أو الطريقة السنوسية. فقد كانت الرابطة الوحيدة هي تلك التي كانت بين سيدي ادريس وجدّي الحاج محمد بن غلبون أثناء فترة هجرة الرجلين في مصر قبل الاستقلال، ولم تُستثمر تلك العلاقة من قِبل والدي أو أي من أفراد عائلة بن غلبون بعد الاستقلال.

فقدّم الشيخ محمد لسيدي ادريس في تلك المقابلة اعتذاره عما تعرض له من إهانة واعتداء من قبل ضباط جيشه، وخذلان شعبه. واستسمحه وتبرأ إلى الله في حضوره من كل ذلك، موضحا له أنه على دراية تامة بمعنى الحديث القدسي الشريف القائل : "من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب ..." . وبتطابق معناه مع ما يجرى في ليبيا، وأن ذلك هو ما جاء به إليه في المقام الأول، فجدّد له البيعة واستأذنه في اعلان النفير للمطالبة بعودته كحاكم شرعي للبلاد في مواجهة المارقين المغتصبين لعرشه. فجاء رد الملك رحمه الله مقتضبا وواضحا بقوله : "سينصرك الله نصرا عزيزا".

أعلن عن تأسيس تنظيم الاتحاد الدستوري الليبي في السابع من أكتوبر 1981 عبر بطاقة معايدة بمناسبة عيد الأضحى الذي توافق تاريخه ذلك العام مع تاريخ الذكرى الثلاثون لإعلان الدستور الليبي الذي ولدت من رحمه الدولة الليبية، وصار السيد ادريس بموجب بنوده ملكا للدولة الوليدة تحت مسمى "المملكة الليبية المتحدة". ( ويجدر التنويه هنا لصغار السن من القراء إلى أن كلمة "المتحدة" كانت بسبب أنه لم يكن في أي يوم من الأيام إطار موحد يشمل أقاليم ليبيا الثلاثة في دولة واحدة وتحت زعامة واحدة إلا تلك التي أسسها الملك ادريس، وقد تم حذف كلمة "المتحدة" من اسم البلاد سنة 1963). ويمكن الوقوف على تفاصيل ما طالب به الاتحاد الدستوري بالاطلاع على بيانه التأسيسي باالنقر على هذا الرابط: http://www.libyanconstitutionalunion.org/proc.htm    والذي يمكن تلخيصه باعلان تجديدنا البيعة ((للملك محمد ادريس السنوسي قائدا تاريخيا لكفاح الشعب الليبي من أجل الاستقلال والوحدة الوطنية، ورمزا للشرعية في البلاد ، ودعوة كافة فئات الشعب الليبي إلى الالتفاف حول عاهل البلاد والانضواء تحت لوائه لانهاء الحكم غير الشرعي الـ ..........))

نشر الاتحاد الستوري الليبي كمّا هائلا من الأدبيات التي تسلط الضوء على الدور العظيم للملك ادريس في تاريخ ليبيا الحديثة قبل وبعد الاستقلال في مواجهة حملات التشويه الممنهجة التي كانت تشنها أبواق النظام ويجدد سعيرها معمر القذافي في كل خطاب له في ذكرى انقلابه في أول سبتمبر من كل عام، يكيل فيها أقذع الشتائم الشخصية وأبشع التهم الكاذبة للملك بغرض تشويه صورته والتشكيك فيه عند من عاصروه، وإلغاءه بالكامل من ثقافة الأجيال الجديدة. وهو الأمر الذي عمل الاتحاد الدستوري على مواجهته ودحضه. وللأسف؛ فبين شراسة وتركيز حملات القذافي وأجهزة إعلامه، وتخوّف فصائل المعارضة الليبية النشطة في مواجهة القذافي آنذاك من توجه الاتحاد الدستوري وجزعهم من أن ذلك قد يؤدي إلى عودة النظام الملكي الذي كانوا يعارضونه بشدة، خاصة التنظيمات ذات التوجه التقدمي (البعثيون، والاشتراكيون، والشيوعيون، والقوميون العرب/الناصريون) أو الديني (الإخوان المسلمون). تضاف اليها سلبية الشعب (بما فيهم من كانوا من أعمدة النظام الملكي أو المقربون من الملك) حيال الملك وتناسيهم لدوره، أو قل "استغنائهم" عنه، وعدم اكتراثهم لوجوده منفياً يعاني الغربة والشيخوخة وحيدا هو وزوجته الملكة فاطمة.

في خضمّ كل ذلك وجد الاتحاد الدستوري نفسه وحيدا في هذه المهمة الصعبة، بل ومحاربا من أغلب هذه الفصائل.

أعلم أن كلامي هذا سيغيظ الكثيرين، ولكنه تاريخ خفّفتُ من حدته بقدر الاستطاعة، ولكن لا يمكنني تغييره أو حذفه. ولمن أراد المزيد من المعلومات في هذا الصدد فبإمكانه التجول في موقع أرشيف الاتحاد الدستوري ليقف على المنشورات والوثائق التي تعزز ما أسرده هنا باختصار، ومن بينها سلسلة الاتحادالدستوري: تأسيسه ونشأته"

أغرب المواقف السلبية، وأكثرها صدمة بالنسبة لنا -يقول الشيخ محمد- كان موقف رجالات العهد الملكي (أو سمّهم "رجال الملك") ، ومن لهم علاقات تاريخية ومتجذرة مع السنوسية (الحركة أوالطريقة). فلم نكن نتوقع منهم السلبية حيال دعوتنا، ناهيك عن موقفهم العدائي لها، ولم نفهمه في بادئ الأمر. وليس عندنا تعليلا له إلا أن ظهورنا المفاجئ على الساحة، ونجاحنا في الوصول الى الملك، ونيل مباركته للمبادرة، ثم مصادقته عليها بالمصاهرة ، كل ذلك سلط الضوء على غيابهم وعدم مصداقية الإدعاء الذي كان يُروّج له آنذاك بأن "الملك لا يرغب فيمن ينادي به أو يرفع رايته". ويؤكد الشيخ محمد عند هذه الجزئية بأن مباركته لهذه المبادرة لا تعني رغبته في العودة إلى الحكم الذي كان زاهدا فيه. فالرجل كان قد تجاوز التسعين من عمره حينئذ، ولكنه كان يشعر بالغبن والإهانة وخيبة الأمل، ويتحرق شوقا لمن يرد له اعتباره وينصفه من أبناء شعبه. وكان كذلك قد سأم حياة المنفى والوحدة ويتوق إلى أن يُدفن بجوار أبيه.

فعلى ما يبدو أن ذلك هو ما جمع بين "رجال الملك" ودفعهم لإتخاذ مواقفهم العدائية من مبادرة الاتحاد الدستوري وصب جام سخط بعضهم على رئيسه الشيخ محمد بن غلبون شخصياً.

وهنا مفارقة عجيبة يضيف الشيخ محمد- في انعدام منطقية التفكير الذي قادهم إلى هذا الموقف.... فألم يخطر ببالهم أن الله سبحانه وتعالى ربما هو من سخر للملك هذا الشاب (كان عمر الشيخ محمد وقتها 34 سنة) الآتي من بين أبناء شعبه ومن خارج منظومة العهد الملكي والطريقة السنوسية ، رحمةً بعبدِه ووليِّه ليؤدي له ما امتنع عنه رجاله، حتى يغادر هذه الدنيا وهو قرير العين راضي النفس، متحررا من مشاعر الإهانة والغبن التي كانت تنغص عليه آخر أيامه متيقنا من أن مولاه لم يتخلّ عنه.

فنقطة الدائرة في هذا الأمر -منذ البداية إلى النهاية- هو ولي الله، الملك ادريس، الذي ما نشأت هذه الدولة إلا إكراما له. فهو صاحب المجد، وهو صانع وصاحب التاريخ السياسي الذي أثمر الاستقلال، وكل الباقي أتباع ثانويون تتفاوت أهمية أدوارهم، ويمكن استبدالهم بغيرهم في أي وقت. فالتاريخ ليس تاريخهم ولا المجد مجدهم بدونه- والخطأ كل الخطأ كان في تقييمهم أنهم بتخلّيهم عنه فإنه سوف يقضي باقي أيامه يذوى في المنفى إلى أن يموت فينسحب إلى الصفحات الخلفية من كتب التاريخ بينما هم يقيموا المآتم ويتباكوا عليه وينظموا القصائد في عدله وورعه وتقواه وشرف نسبه، ويعلقوا صوره سراً- ويستمروا في المفاخرة بعمق علاقاتهم به ومكانتهم عنده !!! أما فيما يخص تاريخ الجهاد فهو زاخر بالأبطال.

هذا التحليل القاسي والصريح- هو محاولة/اجتهاد لفهم موقف "رجال الملك" السلبي من دعوتنا وعدم مدّ أيّ منهم ليد العون لنا، بل وعمل الكثير منهم على وأدها في البداية ثم افشالها لاحقاً. فهل ظن هؤلاء بأن المولى سبحانه وتعالى كان سيتخلى عن عبده ووليه لكي يحتفظوا هم بمكاسبهم التاريخية التي بنوها في ظله وظل ولايته ثم عرشه؟!

أما على الجانب الشخصي يقول الشيخ محمد- فإن كثير من هؤلاء صار ينظر إلينا كأننا منافسون لهم على مكانتهم القديمة عند الملك وعند السنوسية. وهو وهم زائف لا يستقيم لسببين:

الأول أننا عندما جئنا للدفاع عن سيدي ادريس لم نسعى لأخذ مكان أحد، أو لنزاحم أو ننافس أحد. وذلك ببساطة- لأننا لم نجد عنده أحد!!! فالحقيقة المرة والمشينة أنه باستثناء أنفار يُعدّون على أصابع اليد الواحدة- كانوا يترددون على الملك والملكة بصفة دورية منتظمة في الاجازات من خارج مصر، فإنهما كانا يعيشان في وحدة كئيبة قاسية. فلم يكن يحق لأحد أن يرى فينا مزاحمين له على مكانه عند الملك والملكة.

أما الثاني، فهو أن الشيخ محمد بن غلبون لم يزعم في أي يوم من الأيام بأنه ينتمي إلى السنوسية أو يزايد بذلك على أحد. فتاريخ السنوسية في ليبيا معروف، ورجالها معروفون وإخوانها معروفون. وهو ليس من بينهم ، ولا أسرته. أما قول الملك له "أن هذا الشيخ من الإخوان" فكان من باب التقدير والتشريف وإشهار القبول لما قام به حياله. والشيخ محمد لم يعقد حِلق ذكر سنوسية ولم يمنح إجازات في أوراد الطريقة. وقد كان من ضمن نتائج حملة الدفاع عن الملك (شيخ الطريقة السنوسية في ذلك الوقت) تسليط الضوء إيجابيا- على الحركة السنوسية فاختلط الأمر على كثيرين فظنوا أنه من أتباع الحركة أو مريدي الطريقة. وهو ربط خاطئ. فعلاقة الشيخ محمد (ومن وراءه عائلة بن غلبون) كانت بسيدي ادريس والملكة فاطمة -فقط لا غير- وكانت من أجل الوطن وليس من أجل العائلة السنوسية. والدافع الرئيسي الذي هداه الى التفكير في هذا الاتجاه واتخاذ هذا الموقف منذ البداية بالإضافة إلى المصلحة الوطنية- كان حرصه على التحرر من تبعات الحرب التي وعد الله بها من يعادي أولياءه.

وتجدر الاشارة عند هذه النقطة تحديدا، إلى ما نشره الكابتن طيار صلاح عبدالعزيز العمامي عقب زيارته للشيخ محمد سنة 2005 حاملا قناعة بأن ما قام به الشيخ محمد كان بدافع الانتماء إلى الطريقة السنوسية والدفاع عن شيخها وزعيمها في ذلك الوقت. وفيما يلي مقتطف من ذلك المقال الذي نشره بتاريخ 08/01/2006 في موقع "ليبيا وطننا" بعنوان "بن غـلبون.. رمز الشجاعة والوفاء" الذي جاء فيه:-

 
 

ما إن حططت رحالي فور وصولي مدينة (مانشستر) لقضاء عطلة نهاية عام ـ 2005 ميلادية ـ حتى قادني الشوق للقاء شخصية طالما تمنيت التعرف عليها عن كثب.. فقد قرأت كتاب (الملك إدريس عاهل ليبيا حياته وعصره) لمؤلفه الحاكم العسكري لمنطقة برقة بعد الحرب العالمية الثانية "السيد كاندول".. وفي ثنايا الكتاب صور للملك الراحل (محمد إدريس السنوسي ملك ليبيا) مع ناشر الكتاب وهو السيد الأستاذ (محمد بن غلبون) وقد غلب على ظني أنه من الإخوان السنوسية.. أو أن أباه كان من أعمدة الحركة السنوسية.. لذا اعتقدت أن الرجل كان في زيارة زعيم الحركة؛ وليس بصفته ملك ليبيا الأسبق.. وبعد حفاوة الترحاب.. بددت بسمات بن غلبون فكرتي الخاطئة!! إذاً فيما كانت تلكم الزيارة لملك قد تلاشى عرشه؟! وهنا تجلى لي معنى الوفاء في أسمى صوره عندما أوضح لي السيد بن غلبون عنوان زيارته للملك إدريس ألا وهو (معذرةً إلى مليككم) و لكم كان هذا المعنى غائباً عن أذهاننا..

ثم يزيد السيد صلاح "لقد كان بن غلبون في السابعة عشرة من عمره صبيحة انقلاب العسكر عام 1969 ميلادية.. وكان نضجه السياسي المبكر قد سهل عليه فهم ما وراء إلغاء شرعية الحكم الملكي.. والتداعيات المأساوية التي ستؤول إليها البلاد. خاصة وأن تجربة ثورة يوليو الناصرية كانت ماثلة للعيان.. ولذا كانت زيارته للملك إدريس السنوسي ـ بعد أن قرر مغادرة البلاد والعمل على إعادة الشرعية الدستورية ـ كانت اعتذاراً أدبياً للانتهاك الصارخ الذي مثله انقلاب سبتمبر في حق رمز الشرعية الوطنية متمثلاً في شخص ملك البلاد... (....)

.............

......................

وبالإمكان الاطلاع على المقال كاملا على موقع ليبيا وطننا باتباع هذا الرابط: http://www.libya-watanona.com/adab/saziz/sa08016a.htm

.......................

 

ولنشر الكتاب الذي جاء بالكابتن صلاح عبد العزيز لزيارتي قصة أسرد لقراء صفحتك الكرام جوانب منها:-

فالكتاب كتبه صديق الملك والملكة الوفي الانجليزي "إيريك دي كاندول" الذي شغل منصب الحاكم العسكري لمنطقة برقة بعد الحرب العالمية الثانية، وقد صار هذا الكتاب مرجعا قيّما لكل من كتب عن سيدي ادريس من بعده منذ أن نشره الشيخ محمد -على حسابه الخاص- سنة 1989 باللغتين العربية والانجليزية، ووزعه مجانا- على المكتبات العالمية ومراكز البحوث التاريخية، وعلى ألاف من الليبيين في خارج الوطن وداخله. وكان ذلك بمثابة صفعة على وجه القذافي ومشروعه الذي أسلفت ذكره أعلاه فقد قدم ذلك الكتاب حقائق مبهرة عن حياة الملك من شخصية عالمية مرموقة عاصرته وتعاملت معه عن كثب، بالاضاغة الى وثائق وصورتان زاد عليها الشيخ محمد أكثر من 20 صورة نادرة (في ذلك الوقت) وعدد من الهوامش التوضيحية، ووثائق كان أهمها وثيقة تنازل الملك عن العرش، والتي لم يكن قد أطلع عليها أحدا قبل أن تسلمه إياها الملكة رحمها الله وتأذن له ليدرجها في طيات ذلك الكتاب القيم بعد أن شرح لها عزمه ودوافعه. وما زاد من قيمة الكتاب هو روعة الترجمة التي تكفّل بها عضو الاتحاد الدستوري الليبي، المرحوم الأستاذ "محمد حسين القزيري"، فنتج عن كل ذلك مرجعا يعدّ من أهم المراجع التي لا يستغنى عنها من أراد التأريخ للملك ادريس ومراحل حياته وعهده. ثم عاد الشيخ محمد وأخوته لنشر الطبعة الثانية من النسخة العربية سنة 1990 ، هذه المرة بمساهمة مالية من السيدين محمد أحمد النايض ومحمد ابراهيم السوسي، ووزعه كذلك كهدايا مجانية لمزيد من المواطنين والمكتبات ومراكز البحوث ووسائل الاعلام. ثم عندما وصل عصر الانترنت تم نشر نسخة مصورة منه في موقع أرشيف الاتحاد الدستوري. ويشار هنا أنه في الأيام الأولى لثورة فبراير المجيدة وبمجهود من الأستاذ محمد المزوغي رئيس تحرير صحيفة الكلمة تم التعاقد مع (دار الساقية) لنشر الكتاب في طبعة ثالثة تطرحها المكتبة في الأسواق الليبية داخل ربوع الوطن المحرر، وبموجب ذلك العقد تم سحب النسخة الالكترونية من الموقع لمدة 3 سنوات انقضت وهو متوفر الآن على الموقع.ويمكن الاطلاع عليه وتنزيل نسخة منه باتباع هذا الرابط: http://www.libyanconstitutionalunion.org/kingidris1.pdf

ويتحسر الشيخ محمد على أن نشر هذا الكتاب لم يتم في حياة الملك ادريس ليرى بعينه وفاءً من صديقه الانجليزي، ومن جيل جديد من أبناء شعبه. وقد تحسرت كذلك أسرة الراحل دي كاندول على أن جدهم هو الآخر قضى قبل أن يرى كتابه عن صديقه يطبع في هذه الطبعة الفاخرة الراقية باللغتين العربية والانجليزية. ولعل ما يساعد القارئ على تصور ظروف تلك الفترة هو أن السيد دي كاندول فشل في إيجاد ناشر يوافق على نشر الكتاب في طبعة تجارية تضعه في متناول أكبر عدد من القراء بحجة أن شخصية الكتاب لم يعد لها دورا ولا أهمية تشجع القراء على شراء الكتاب واسترداد مصاريفهم إن لم يكن تحقيق أرباح. فهكذا كان حال سيدي ادريس جراء "الاهمال" الذي تعرض له. فتكفل الرجل بنشر الكتاب في طبعة خاصة قوامها 250 نسخة للإيفاء بوعده لصديقه، وزع أحفاده عشرات منها على بعض المكتبات الأكاديمية وظلت البقية في صندوق في مخازن بيوتهم. وبلا شك فإن صيت القذافي المرعب وارتباطه باعمال القتل والارهاب في بريطانيا في ذلك الوقت، والذي شمل تفجيرات استهدفت أكشاك جرائد كانت تعرض مجلات المعارضة الليبية، قد أثر في قرار دور النشر بعدم المجازفة بنشر الكتاب.

ومن أكثر دواعي العجب أنك تجدين من يزعمون بأنهم مؤرخون و أكاديميون لا يميزون بين النقل عن متن الكتاب أو هوامش وملحقات الناشر التي أضيفت إليه لاحقا. ويشيرون إليه بمجرد "كتاب الانجليزي دي كاندول"!!!

ويعود الشيخ محمد ليستطرد في الحديث عن مفارقة ثانية لا تقل عجبا عن سابقتها يقول أنها حيرتهم كثيرا بسبب تكرارها وانعدام منطقيتها، وأنهم لم يجدوا لها تبريرا إلى يومنا هذا، وهي استنكار واستهجان الشخصيات التي كانت لصيقة بالملك، أو من أتباع الطريقة السنوسية أباً عن جد، وكذلك ذريات بعض الشخصيات التي شاركت في الجهاد ضد المستعمر الإيطالي (أو الزاعمون لذلك)، لـ "تجرّؤه" على الاتصال بالملك والمناداة به ورفع رايته، واعتبارهم لذلك بأنه "تطاول" منه (بحسب تعبير أحدهم، ولا داعي لذكر اسمه بعد أن فارق هذه الدنيا) !!! لأنه لا ينتمي لهذه "الصفوة". ومن كثرة تكرار هذه الظاهرة البدائية والكريهة في نفس الوقت صرنا نتندر عليها بأنها تجسيد حي للمثل القائل "لا نرحمك لا نخليك، لا نخلي رحمة الله تجيك". وأن تصرفاتهم العدائية تلك كانت بمثابة القول أن نصرة الملك، ورفع لواءه، والدفاع عنه، وجبرة خاطره هي حكر على من لم يقوموا بها ..... فقط !!!

ولا زلنا للأسف- نلمس بين الفينة والأخرى من بعض هؤلاء عدوانية لا مبرر ولا تعليل لها تبيّن أنهم "لم يغفروا لنا" ذلك "التطاول" (على حدّ وصفهم) !!!

وبحمد الله ومنته لم ينتقل سيدي ادريس إلى جوار ربه إلا وهو راضٍ عن الشيخ محمد بن غلبون وأهله الذين اصطفّوا وراءه لآداء ذلك الواجب الديني والمهمة الوطنية، ولم تلفظ مولاتي الملكة أنفاسها الأخيرة إلا ويدها اليسرى في كف الشيخ محمد ، ويدها اليمنى في كف أخي هشام. ويختم الشيخ محمد حديثه بالقول عن هذه "التجربة" (يعني نصرة سيدي ادريس وخدمة مولاتي الملكة) وقفنا على القول المنسوب لسيدنا "سفيان الثوري" رضي الله عنه : "ما رأيت عبادة أجلّ وأعظم من جبر الخواطر"

ولعله من المفيد التوقف هنا عند جزئية يجب التذكير بها.قبل الفراغ من الجزء الأول من هذا المقال التوضيحي:

فلعل الحكمة الالهية في اصطفاء جماعة من خارج منظومة العهد الملكي والطريقة السنوسية لمهمة المناداة بالملك هي الأكمل والأكثر بلاغة وتأثيرا. فلو أن من قام بها جماعة من رجالات العهد الملكي (مدنيون أو عسكريون) فسيسهل القول بأنهم ما قاموا بها إلا من باب ما يحتمه عليهم واجبهم تجاه ولي نعمتهم، وتجاه أنفسهم. فالقذافي انقلب على الملك وعلى العهد الملكي الذي كانوا يمثلونه-ومستفيدون منه.

والحال كذلك لو كان المتصدون للدفاع عن الملك من بين أفراد أسرته أو المنتمون إلى طريقته، فذلك واجب تفرضه عليهم طبيعة تلك العلاقة بالدفاع عن شيخهم وكبيرهم. أما بالصورة التي نُفّذت بها فإن الملك رحمه الله نال بموجبها مكرمتان:

الأولى: أن اقتحام رجل غريب لعزلته وللطوق المفروض عليه من قبل أجهزة الأمن المصرية ، بدافع نصرته والدفاع عنه يُعلمه بأن دوافعه هي الدفاع عن "ولي الله" وعاهل البلاد المظلوم، فيها إشارة واضحة له بأن هذا الشخص ما جاء إلا مسخراً من عند الله استجابة لدعاءه.

الثانية: أنه حاز مجدا لم يسبقه إليه أي ملك من ملوك منطقتنا، يضاف إلى أمجاده الكثيرة المدونة في الصفحات الناصعة من كتب التاريخ والتي لن يتسع المجال إلى سردها هنا، وهي أنه الملك الوحيد الذي نادت به فئات من أبناء شعبه الذين نشأوا وترعرعوا في عهده بعد أن فقد عرشه، وهم بذلك أكدوا على شعبيته ومكانته في قلوب أبناء شعبه، فقاموا بما قاموا به بدون إيعاز من أحد؛ لا تنظيم ديني ولا حزب سياسي يسعى إلى نيل مناصب أو تثبيت أجندات، وذلك فقط من باب العرفان ورد الجميل نيابة عن الشعب الليبي الذي أُخذ على حين غرة فجر ذلك اليوم المشؤوم بينما كانوا سُكارى بخمر خطابات جمال عبدالناصر، ومخدّرين بمقالات هيكل وبقية جوقة الهلاك التي هزت عروش الممالك العربية في ذلك الوقت،وكان عرشه أول الضحايا لذلك.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن كثير ممن أصفهم بالمتطفلين على التأريخ يتعمدون تجاهل السنتين الأخيرة من عمر الملك ويتناولون تفاصيل مكررة تبدأ منذ ولادته إلى أن أطاح المارقون بعرشه، ثم تقفز إلى دفنه بالبقيع. أما بعض المحاولات التي تناولت النزر اليسير من حياته مطرودا في منفاه بالقاهرة فلم يتجاوز سطورا تؤرخ لأحداث اجتماعية حظرها أو كان ضيفا فيها، ولا تؤرخ له هو. وهم بذلك يقترفوا خطئين:

الأول حرمانه من مكرمة مناداة أبناء شعبه به قبل موته،

والثاني، حرمان الشعب الليبي من مكرمة مناداة أفراد منهم بعاهل البلاد وسيدها الذي قصّروا في حقه قبل وخلال الـ أحد عشر سنة منذ الانقلاب وحتى تاريخ تلك المبادرة !!! وهو أمر يثير العجب والريبة هو الآخر.

 

 

 

 

 

 

 

العودة إلى أعلى الصفحة

 

 

(الجزء الثاني)

 

حقائق حول موقف الشيخ محمد بن غلبون من الملك ادريس (رحمه الله)

 

نشر في صفحة انصاف بن غلبون Ensaf Benghalbon.  على فيس بوك بتاريخ (9/9/2019)

 

لم تكن فكرة الاتحاد الدستوري الليبي مقصورة فقط على شخص الملك وفضله ومكانته التي غطيناها بالتفصيل في الجزء الأول من هذا المقال التوثيقي. -يقول الشيخ محمد وهو يجيب على أسئلتي - بل ان الفكرة نبعت من حب عميق وغير محدود للوطن، مع وعي كامل بمكوناته البشرية والمادية، و إدراك واسع ومحايد لخلفياته التاريخية، واستحضار متوازن لكافة مواطن الهشاشة و مكامن القوة التي يتميّز بها، ونتائج وتبعات كل ذلك على الحاضر والمستقبل.

وقد كان إعطاء الملك حقه الدستوري والأخلاقي- لسد الباب في وجه المتصارعين على المركز الأول والطامعين في الكرسي الذي في قمة الهرم. وهي المشكلة المتجذرة في التركيبة البدائية لشخصية ـشعوب منطقتنا (بصفة عامة)، فيؤدي ذلك الصراع إلى نشوب النزاعات منذ نقطة البداية والتي سرعان ما تتحول إلى عداوات تقود إلى انشقاقات في الصف الواحد وتولّد عدة صفوف متناحرة. و كل ذلك يحدث قبل الانطلاق نحو الهدف المنشود. ثم يأتي إصرارنا على التمسك بالدستور الحائز على المباركة الدولية والنابع من إرادة شعبية في أول مرة يمتلك فيها الليبيون زمام امرهم، فقد ركزنا على حقيقة -فوجئنا بأنها كانت غائبة على النخبة المثقفة- وهي أن هذا الدستور جاء قبل الدولة وقبل الملك مما يجعله إرثاً وطنيا ليس فيه جميل ولا مِنّة لأحد على الشعب الليبي، لا ينبغي التفريط فيه والدخول في دوامة كتابة دستور جديد في كل مرة يتغير فيها نظام الحكم حتى يفقد الدستور قيمته وقدسيته فيتحول إلى مجرد قانون يغيره الحاكم الجديد على مزاجه بما يتناسب مع مصلحته، فالدول المتقدمة دستوريا لها دستور واحد فقط- يجري تعديل مواد منه كلما اقتضت الضرورة، ولا يتم إلغاءه واصدار دستور جديد، فذلك منافي لفكرة الدستور من أساسها. ويكفي التذكير هنا بإن الدستور الأمريكي على سبيل المثال- قد تم تعديله 27 مرة منذ أن كتبه مؤسسوا الدولة الأمريكية سنة 1787، بينما العراق على سبيل المثال النقيض- قد دخل في دوامة ألغاء الدستور وكتابة دستور جديد أكثر من 5 مرات منذ سنة 1925.

وقد روّجنا له ودعونا الجميع لتبنّيه والتمسك به في ذلك الوقت المبكر من النشاط السياسي ضد القذافي (سنة 1981) بكل السبل المتاحة آنذاك، وذلك ليقيننا بأن الليبيين لن يمكنهم الاتفاق على وضع دستور جديد بسبب المنافسات والصراعات التي ستكون بين شرائح المجتمع متى ما رُفِع عنهم طغيان القذافي. فقد نجحوا في وضع الدستور الليبي في أواخر الأربعينيات من القرن الفائت لعدم وجود أطماع/ثروات يتنازعون عليها في تلك الفترة، وكذلك بسبب انصهار الإرادة الشعبية الجماعية في اتجاه واحد هو نيل الاستقلال، والذي كان الدستور شرطا أساسيا لتحقيقه. بالإضافة إلى أنه لم تكن هناك صراعات سياسية في المجتمع الليبي في ذلك الوقت كالتي يعاني منها في الوقت الحاضر والتي سبق وأن أجّجها شذوذ حكم القذافي وزاد عليها إيقاده الممنهج للنعرات القبلية والجهوية والمناطقية لتصبح ألغاما وقنابل موقوتة تنتظر أول فرصة من الفراغ السياسي أو غياب السلطة لتنفجر فتأتي على الأخضر واليابس.

وقد رصد الشيخ محمد تلك المخاطر في مرحلة مبكرة وبادر إلى التحذير العلني منها عبر كل القنوات المتاحة في ذلك الوقت استحضِر منها في هذا السرد وعلى سبيل المثال لا الحصر التحذير الذي أطلقه عبر صحيفة الشرق الأوسط اللندنية التي كانت من بين الصحف التي تهتم بالقضية الليبية، تحت عنوان:

"سياسات القذافي وضعت الليبيين أمام خطر الحرب الأهلية"  ، حيث قال:

"..... لو سقط القذافي الأن فلن يتسلم الحكم المتشددون الدينيون ولا المعارضة، بل قد تبدأ الحرب الاهلية . ان ليبيا على حافة الحرب الاهلية".  وبالإمكان الاطلاع على تلك التحذيرات ومبرراتها بالكامل بنقر الرابط.   

وقد أدت جرأة وصراحة ذلك التحذير وخروجه عن المألوف في تلك المرحلة إلى استهجان من قبل كثير من النشطاء على ساحة المعارضة الليبية دفعت بعضهم إلى الطعن في وطنيته، والبعض الآخر في رجاحة عقله، وأنه فريسة لما أسماه أحدهم بـ "وهم المخاوف" "البارانويا" !!! ، وذهب البعض إلى أنه يروج لإشاعات يقف وراءها القذافي نفسه!!! ولا يزال الشيخ محمد حائرا إلى يومنا هذا لماذا لم يأخذها أي من النشطاء السياسيين أو الشخصيات الوطنية المرموقة أو أعيان المجتمع الليبي على محمل الجد ، أو على الأقل- حتى مجرد مناقشتها معه بالرغم من وضوح نوايا القذافي الخبيثة باتجاه تفكيك المجتمع الليبي وإضرام النار بين مكوناته في حال غيابه عن المشهد !!!

ثم استمر في قرع نواقيس الخطر في مناسبات عديدة ومتواترة على مدى عشرين سنة منذ ذلك التحذير وحتى انتفاضة فبراير، أُدرج منها في هذه العجالة ما نشره عبر مجلة "المجلة" بتاريخ 13/09/2012 تحت عنوان:

 "حرب أهلية تصرّ أجهزة استخبارات غربية على إشعالها" حيث قال محذرا من عدم العمل الفوري على ملء الفراغ السياسي بدستور البلاد، والانشغال بالانتخابات وبما أسماه "مهرجانات الديمقراطية وأعراسها" والمحاولات العبثية في كتابة دستور بديل:

"... وفي كل خطوة يخطوها (الشعب الليبي) بعيدا عن ذلك الدستور، يزداد خطر الحروب الأهلية التي تصر بعض أجهزة الاستخبارات الغربية على أن يمر بها الشعب الليبي، انتقاما لما حل بيهود ليبيا عام 1967."  

 

ولم تقتصر تحذيرات الشيخ محمد من مغبة تجاهل الدستور الذي سينتج عنه فراغا سياسيا سيؤدي -لا محالة- إلى صدامات مسلحة بين قبائل ومناطق الشعب الليبي كالتي نشهدها اليوم، على البيانات والتصريحات الصحافية، بل وجه النداء مباشرة إلى رئيس المجلس الانتقالي السيد مصطفى عبد الجليل الذي كانت كلمته مسموعة في ذلك الوقت بعد أن حاز -لمدة كافية- ثقة الليبيين بالاجماع، مما جعله الشخص الأكثر قدرة على تفعيل الدستور وتجنيب البلاد ذلك الفراغ السياسي الذي طالما حذرنا منه ومن نتائجه الوخيمة، ولكنه استقبل الموضوع هو الآخر بعقلية الجاهل تماما بطبيعة المجتمع الليبي الهشّة، كما أظهر قصورا كاملا عن فهم دور الدستور في سدّ أبواب الخطر وفرض سيادة الدولة في تلك المرحلة الانتقالية الحرجة. وكان ذلك أمر محير جدا باعتبار خلفية الرجل القانونية والشهادات الأكاديمية الرفيعة التي يحملها والمناصب العالية التي تبؤها في عهد ما قبل انتفاضة فبراير، وكذلك كونه ابن قبيلة ويفترض أن يكون على دراية بخطورة الحساسيات التي سيولدها الفراغ السياسي.

فلم يكن تفاعل الشيخ مصطفى عبد الجليل مع ذلك النداء وتلك التحذيرات مختلفا عن سابقيه أيام المعارضة في المهجر، ولم يكلف نفسه عناء حتى مجرد رفع سماعة التلفون للوقوف على هذه التحذيرات ومنبعها......

ويضيف الشيخ محمد في هذا السياق وكما يقال "الشي بالشي يُذكر" فإن وسائل الاعلام أولت تحذيراته الجدية اللازمة فكان أول سؤال وُجه للسيد مصطفى عبدالجليل عند زيارته الاولى الى لندن في شهر مايو 2011 في مقابلة تلفزيونية أجرتها معه قناة بي بي سي العربية يوم 12 مايو 2011 هو حول موضوع تحذيراتي من خطر النزاعات المسلحة والحرب الاهلية التي قد تنحدر اليها البلاد والتي كنت قد أطلقتها قبل يوم واحد من وصوله إلى لندن، فأبدى نفوراً من الخوض في الموضوع، وأظهر الامتعاض، واعتبر أن الموضوع برمّته رأي شخصي لا يستحق النقاش أو التعليق عليه !!!

يمكن الاطلاع على كامل الرسالة المفتوحة التي وجهها الشيخ محمد إلى السيد مصطفى عبد الجليل بتاريخ 1 يوليو 2011، والتي نشرت نسخة منها صحيفة "برنيق" بتاريخ بتاريخ 5 يوليو 2012 باتباع الرابط أدناه، والتي فصّل له فيها حيثيات ومبررات مخاوفه مما يُحذر منه، واستحضر له صفحات من تاريخ البلاد الدموي قبيل الاستعمار الايطالي وحذره من عودة شبح حروب "خط الغرب وخط الشرق" ومن مغبة لجوء البعض "لأخذ ثأرهم بأيديهم"، وناشده باستباق كارثة الحرب الأهلية "بتبنّي دستور الاستقلال (دستور 1951)، مع التحفظ على بنوده المتعلقة بشكل الدولة ونظام الحكم واحالتها للإستفتاء في المستقبل المستقر، إن شاء الله، لملء الفراغ في المرحلة الانتقالية التي طالت، وأن تُفعّل القوانين القديمة المنبثقة من ذلك الدستور، وأن تُكوّن لجاناً تستعجل تطويرها إلى أن يُعاد النظر فيها برويّة في وقت الأمن والاستقرار... " وحثه في ختامها على عدم الثقة فيمن كان يسميهم السيد مصطفى "حلفائنا" ، والاحتماء بالثوار الحقيقيين الذين قاموا بالثورة والذين أشار لهم الشيخ محمد بقوله: "ولا تخش من "حلفائك"، فلديك أبطال ينازعون الأسُدُ على أشلائها".

كذلك فقد سُئل ممثل المجلس الانتقالي في بريطانيا السيد جمعة القماطي عن ذات الموضوع من قبل نفس القناة التلفزيونية فأجاب بمنتهى الثقة بأن "من يقول مثل هذا الكلام ليس له دراية بالمجتمع الليبي" !!! وهكذا فبين رئيس المجلس الانتقالي وممثله في لندن وقعت التحذيرات من الكارثة التي تحرق البلاد اليوم على آذان صماء مرة أخرى !!! وباعتبار الصفة الرسمية التي يتمتع بها كلا الشخصين في ذلك الوقت فلم تعُد بقية وسائل الاعلام تُعر تحذيراتنا في هذا السياق أية اهتمام... فعدنا بها مجددا إلى المربع الأول .

 وقبل أن أنتقل من هذه الجزئية إلى ما بعدها أرفق قائمة ببعض من التحذيرات التي جهر بها الشيخ محمد من خطر الحرب الأهلية والتقسيم- الذي يتهدد البلاد لمن أراد البحث والتوثيق أو التأريخ لتلك المرحلة، مع اقتباسات من بعضها لتوضيح أن النار التي تأكل بلادنا وأولادنا لم تأت من فراغ، ولا كانت غيبا مخفياً، بل أن مؤشراتها كانت واضحة لمن يرى بعين المصلحة المجردة للوطن، وأن سببها هو تجاهل الساسة والمعارضون والمسؤلون (بعد الثورة) لتلك المؤشرات، ولا ندري من كان منهم قد تجاهلها بدافع الجهل والقصور، ومن غيّبها تآمرا على البلاد وخدمة لأجندات خفية !!!

هل سهلت واشنطن وصول معمر القذافي إلى الحكم [الشرق الأوسط: 04/10/1992]

 

قال الشيخ محمد بن غلبون في هذه المناسبة :

" .... وهاهي تلك الأمة (التي أسسها الملك ادريس) على حافة الهاوية التي دفعها إليها معمر القذافي بعد أن حوّلها إلى تكتلات قبلية تتسابق على التسلّح تخوفا من بعضها البعض....."

 ثم زاد القول: "كما سبق وأشرت إليه في رسالة عممتها على أغلب اخواني في المعارضة الليبية بتاريخ 20/11/1985 بهدف اتخاذ كل الاحتياطات الممكنة من الجميع لتفويت الفرصة على القذافي وللتحسّب للكارثة التي يحاول أن يدفع البلاد اليها قبل فوات الأوان، وما جاء في خطابه الأخير الذي ألقاه بمناسبة الذكرى الثالثة والعشرين لانقلابه من تهديد واضح للشعب الليبي "بسفك الدماء الليبية بأيدٍ ليبية وتحويل البلاد إلى نار ودخان" مؤشر واضح على رغبته، خاصة أنه عمل بدأب على زرع بذور الفتنة وهيّأ لها الظروف والأسباب وأمدها بالسلاح، ولأنه عودنا على تنفيذ كل التهديدات التي تأتي في خطاباته مهما شذّت وبعدت عن العقل والمنطق فإنه من الواجب عدم تجاهل هذا الخطر والاستهانة به " ، ثم حذر في ذات المقال من  "استخفاف البعض بالظروف الداخلية التي صممها (القذافي) لتذهب ليبيا معه متى أُطيح به سيؤديان في النهاية لا محالة إلى حروب أهلية في أكثر من منطقة من مناطق البلاد"

 

الفقرة الأخيرة تكاد تكون وصفا دقيقا لما حصل في بلادنا بعد سقوط القذافي ... وتبين كذلك أن ما حدث ليس بمحض الصدفة ...

 

ولم تقتصر تحذيرات الشيخ محمد بن غلبون من كارثة الحرب الأهلية التي كان القذافي يهئ لها- على الليبيين فقط، بل رفعها إلى كل من "الجامعة العربية"، و "الاتحاد المغاربي" هذه نماذج منها:-

 

مقال "حماية الوحدة الليبية مسؤولية وطنية ومغاربية" [الشرق الأوسط 26 يناير 1993]

 

حذر الشيخ محمد في هذه المقالة سنة 1993 من خطر سياسات القذافي على وحدة التراب الليبي وحمل الاتحاد المغاربي مسؤلياته حيال الشعب الليبي فقال: "لقد كانت الوحدة الليبية بعد الاستقلال اهم انجازات الملك ادريس السنوسي (رحمه الله)، ولكنها الأن تمر بمرحلة حرجة للغاية ، اذ غدت على شفا هاوية سحيقة دفعت اليها عمدا وعلى نحو متواصل وبخطى مدروسة منذ السنوات المبكرة للنظام الحالي، اذ نخر الروابط التي كانت متينة بين الليبيين، ووسع الهوة بين سكان الاقاليم ، ونكأ جراحا قديمة باثارة الحساسيات جهارا، واستعدى البدو على الحضر صراحة ، كما انكر واقع وجود البربر والافارقة في البلاد تحت ذريعة ومظلة القومية العربية"

 

 مقال "ليبيا والجامعة"    [الحياة: 31 يناير 1993]

 كما ذكّر الجامعة العربية بمسؤليتها حيال أمن وسلامة الشعب الليبي من جنون القذافي ونواياه التي أفصح عنها في تلك الفترة بالقول : " وفي شهر ايلول (سبتمبر) الماضي (1992) اعلن (القذافي) بكل وضوح عن نواياه لمستقبل البلاد اذ قال فى خطاب رسمي مذاع انه يريد ان "يسلط الليبيين على بعضهم لسفك الدماء الليبية بأيد ليبية ويحول البلاد الى نار ودخان". فهل تريد جامعتنا العتيدة ان تنتظر حتى تنتشر النار فى الهشيم قبل ان تحرك ساكنا للإعراب عن "القلق البالغ" من تطورات الاحداث ؟

 

  من يطوق النزاعات الأهلية في ليبيا إذا ما نشبت واستفحلت ؟ [الحيــاة: 3 أغسطس 1994]

 

 رسالة رئيس الاتحاد الدستوري إلى المستشار مصطفى عبد الجليل [ برنيق: الخميس 5 يوليو 2012]

سأكتفي بهذا القدر اليوم وأعود إن شاء الله بالمزيد من المعلومات التي ستثبت أن ما يجري في بلادنا اليوم من دمار وخراب وسفك دماء وتبديد ثروات، قد سبق وأن تم استشرافه والتحذير منه بتفاصيله- كما لو أن صاحب التحذيرات كان يراها بعين رأسه لا بعين بصيرته فحسب.

   

 

 

 

العودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

(الجزء الثالث)

 

حقائق حول موقف الشيخ محمد بن غلبون من الملك ادريس (رحمه الله)

نشر في صفحة انصاف بن غلبون   Ensaf Benghalbon. على فيس بوك بتاريخ (19/(9/2019

بعد أن قدمت الأدلة في الجزء الثاني من هذه المساهمة التوثيقية على أن النار التي تحرق بلادنا وتأكل أولادنا اليوم لم تكن مفاجأة أو غيباً مخفياً، بل أن مؤشراتها كانت واضحة لمن كان له بصر وينظر إلى المشهد بنور الوطنية الصادقة الخالية من الهوى أو الأطماع، والمحررة من التحيزات التي من شأنها أن تعمي صاحبها عن رؤية الحق والحقيقة المجردة، سواءً كانت هذه التحيزات عقائدية/إيديولوجية، أو تحيزات قبلية وجهوية ومناطقية. فقدمتُ 6 أمثلة موثّقة بالتواريخ والروابط- لتحذيرات صريحة ومتواترة قدمها الشيخ محمد بن غلبون على مدى أكثر من 20 سنة، من اقتتال وشيك بين مكونات الشعب الليبي في حال غياب القذافي المفاجئ عن المشهد، ستقود -لا محالة- إلى حروب أهلية تؤدي في نهاية المطاف إلى تشظي ليبيا وتقسيمها - مالم يتم تدارك ذلك الخطر بالتطبيق الفوري لدستور البلاد ليسد الفراغ السياسي الذي سيتولد جراء غياب القذافي، والذي لن يترك ورائه بنية تحتية قادرة على تسيير البلاد بدون أجهزة القمع والاستبداد التي كان يحكم بها- وجعله (أي دستور 1951) المرجعية العليا التي يُذعن لها الجميع لتُسنّ من بنوده قوانين مؤقتة تضمن الأمن والانضباط في الفترة الانتقالية ريثما تستتب الأمور ويتم الاتفاق على شكل الدولة ونظام الحكم وما إلى ذلك من أمور هامة ومصيرية ستحتاج إلى ترتيبات ومشاورات، بل وربما حتى استفتاء وستستغرق وقتا طويلا، ولا ينبغي استعجالها.

وسأسعى في هذا الجزء لمعرفة من أصحاب المصلحة في دفع ليبيا في هذا الاتجاه الشيطاني. وسأحاول كذلك الإجابة على السؤال الخطير الذي يدور في أذهان جميع من تابع هذه التحذيرات، وهو : "مَن مِن معاصري تلك المرحلة وشخصيات العهد الملكي، والنشطاء على ساحة المعارضة الليبية تجاهل تلك التحذيرات عن جهل و قُصور، (أو بسبب الاستغراق في آفة التنافس بين فصائل المعارضة المختلفة في ذلك الوقت)، ومَن تعمّد تغييبها والاستخفاف بها تنفيذا لأجندة أصحاب المصلحة في تدمير ليبيا الذين خططوا لدفعها إلى أتون الحرب والدمار الذي تعيشه اليوم؟ "

وذلك بطرح الأسئلة مباشرة على صاحب هذه التحذيرات أخي الشيخ محمد بن غلبون (حفظه الله)، فاستقليت القطار إلى بيته بمانشستر ووجهت إليه جميع أسئلتي دفعة واحدة، فكان جوابه بأن من يبحث عن إجابة لسؤالك الأول عليه أن يفرق بين أمرين، أولهما: "من هم أصحاب هذه المصلحة "؟، وثانيهما "من هم أدوات تنفيذها"؟

والإجابة على الشق الثاني من السؤال واضحة وبديهية، فمعمر القذافي بطبيعة الحال هو من هيّأ الظروف لتتحول البلاد إلى ما أسماها "نار ودخان" في حال غيابه عن السلطة، وصرح بذلك وتبجّح به على رؤوس الأشهاد في أكثر من مناسبة، والتاريخ يشهد له بأنه نفّذ جميع تهديداته، وحال البلاد اليوم هو أكبر شاهديه على ذلك.

أما للإجابة على الشق الأول والأهم من سؤالك الأول، وهو "من هم أصحاب المصلحة الحقيقية والمخططين لها منذ اسقاطهم لعرش الملك ادريس واحضار شلة الملازمين وعلى رأسهم معمر القذافي؟" فدعيني أعود بك قليلا إلى بعض المحطات التاريخية التي سيقود ربط بعضها ببعض إلى فك طلاسم المشهد الليبي بداية من اسقاط عرش الملك ادريس وحتى الكارثة التي تحرق بلادنا اليوم.

 فبينما كانت في بداية الستينيات- نوايا واشنطن للتخلص من الملك ادريس بطريقة سلمية (ونوايا ودّية إن جاز التعبير) واستبداله بحاكم أصغر سناً وأكثر قدرة على "فهم" دور الولايات المتحدة في ليبيا ومنطقة الشرق الأوسط بصفة عامة (والذي يعني في الواقع تنفيذ سياساتها وإملاءاتها بدون مماطلة)، وهو الأمر الذي لم "يتفهّمه" أو قولي لم "يستسغه" الملك ادريس، وذلك برِهانهم على ولي العهد الأمير الحسن الرضا وتشجيعه على القيام بـ "انقلاب قصر" سلمي يتقلد فيه مقاليد الحكم بدل عمه، مع وعد بالاعتراف الفوري به ودعمه.

وقد سبق وأن قدمت الأدلة والوثائق التي تكشف هذا المسعى، في مناسبتين منفصلتين، الأولى كانت بعنوان " هل سهلت واشنطن وصول معمر القذافي إلى الحكم " [الشرق الأوسط: 04/10/1992] عندما دعي ولي العهد (سنة 1962) لزيارة واشنطن وأرسلت له طائرة الرئيس (جون كينيدي) لنقله إلى هناك، واستغرقت الزيارة أكثر من اسبوع (ما بين 16-24 أكتوبر) فاتحه خلالها الرئيس كينيدي مباشرة في هذا الموضوع في سياق الحفاظ على العلاقات الودية بين الدولتين والعبور بها نحو المستقبل في ظل العرش الملكي الصديق للولايات المتحدة الأمريكية.

وقد حدثني ولي العهد الأمير الحسن الرضا (رحمه الله) شخصياً عن تفاصيل تلك الزيارة أثناء زيارته لي في مانشستر في شتاء سنة 1989.

والثانية بعنوان "خطة أربعة تربيع في التاريخ الليبي" (الشرق الأوسط: 26/09/1995)

قدمت فيها ما وجدته في التقارير السرية للحكومة البريطانية التي يفرج عنها بعد مرور 30 سنة على أحداثها، والتي وثّقَت وجود اتفاق أمريكي مع ولي العهد يشار إليه بالاسم الحركي "أربعة تربيع = Four Square " وكذلك إحجام ولي العهد عن ما أسموه "ضغط زر" تفعيل حركة 4 تربيع عندما أعلن الملك ادريس عن رغبته المفاجئة في التنحّي عن العرش مساء التاسع عشر من مارس سنة 1964، ثم تهرّبه من مقابلة المسؤولين الأمريكيين الذين كانوا يسعون بقوة للإتصال به.

 وقد تابعت هذا الموضوع مع عدد من شخصيات العهد الملكي وعرفت بأن واشنطن بعد أن "غسلت يديها" من ولي العهد باشرت في ما أسمته الوثائق البريطانية "البحث عن بديل"، فعرضت الأمر على عدد من الشخصيات القوية المتنفذة ليكون "رجل أمريكا" في ليبيا ما بعد الملك ادريس، باءت جميعها بالفشل.

ولديّ الكثير من المعلومات في هذا الشأن سيصرفنا الخوض فيها عن السير باتجاه الإجابة على سؤالك المهم، ومسعاك لمعرفة "من هم أصحاب المصلحة الكبرى في تدمير ليبيا ومن خطط لها هذا التخطيط المحكم؟ ولماذا؟" وربما أتناولها في مناسبة أخرى، ولكن دعيني "أضع خطين" تحت حقيقة أن كل هذه المساعي للتخلص من الملك واستبداله بـ "رجل واشنطن" في تلك البلاد الهامة استراتيجيا للولايات المتحدة الأمريكية ليضمن تحقيق مصالحها وسياساتها في منطقتي الشرق الأوسط والقارة الأفريقية بدون تلكؤ أو مماطلة، كان يتم في إطار ما يمكن تسميته بـ "التغيير السلمي"، أو حتى "التغيير الودّي " إن جاز التعبير.

فما الذي طرأ ليجعل هذه الدولة الحليفة تنحى هذا المنحى العدواني الشرس فتلجأ إلى اسلوب الانقلابات العسكرية العنيف المدمر الذي كانت وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) تنتهجه منذ خمسينيات القرن الماضي في التخلص من الأنظمة المعادية لها في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا والعالم الثالث بصفة عامة؟

لا بل وتنتقي أحقر أصناف العسكر وأكثرهم شذوذا وقدرة على الخراب والدمار. ودعيني استحضر هنا كذلك بأن ملف معمر القذافي الشخصي الذي يبين تفاصيل نفسيته المضطربة السادية والمشحونة بالضغائن وعُقد الاضطهاد والتي تجعله بمثابة قنبلة موقوتة لن يأتي منها إلا الخراب والدمار وسفك الدماء كان بين أيديهم مع ملفات بقية ضباط الجيش الليبي الذين تتوافر فيهم مواصفات احتمال الاستقطاب والتوظيف، وكذلك تقارير فترة دراسته في بريطانيا سنة 1966.

 هنا "مربط الفرس" -يضيف الشيخ محمد- الذي ذكّرني بواقعة يقول أنها فتحت عينيه وأجبرته على "التفكير خارج الصندوق" كما يُقال. ففي لقاء عاصف جمعني بالموظف الأمريكي المسؤول عن الملف الليبي في القسم الخاص بليبيا في الجهاز المتابع للقضية الليبية في شهر ديسمبر سنة 1984 واجهته بريبتي من إصرار أصدقاء الولايات المتحدة في المعارضة الليبية على صرف النظر عن مخاطر الصدامات المسلحة بين مكونات الشعب الليبي التي كان القذافي يعمل بدأب على تهيئة المناخ لها، وتسفيههم لتحذيراتي من خطر الحرب الأهلية المحتملة التي كنت قد بدأت في رصدها والتحذير منها، وتساءلت عن جرم الشعب الليبي في حق الشعب الأميركي ليستحق كل ذلك العداء! !!

فأجابني ذلك المسؤول الذي استفزه استقرائي للنوايا الخبيثة لجهازه بقوله بحقد واضح: "إنه شخصياً يظن أن حماماً من الدم هو ما يحتاجه الشعب الليبي ليغتسل من خموله وغطرسته ليصبح أجدر بالتمتع بالثروة التي تفجرت تحت أقدامه من دون استحقاق".!!!

ثم تحداني بثقة وصلف في نهاية ذلك اللقاء العاصف إن كان باستطاعتي أن أغير من "تطور الأحداث ومسارها في الاتجاه الذي رسموه لها"!!!...

تفاصيل ذلك اللقاء وما سبقه وما تبعه أدرجتها في مقال طويل وضعته بين أيدي عموم اخواننا الليبيين بالرغم من خطورة ذلك- ونشرته في صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 29 أغسطس 2005، تحت عنوان : "لقاءات حذرة بين الإتحاد الدستوري الليبي والسلطة الأمريكية" لعل تلك المعلومات تتوافق مع ما توصل إليه غيري فتكمل بعضها البعض، أو توضح الصورة لبعض الوطنيين -من داخل النظام أو المعارضة- فينتبهوا وينبّهوا ويرفعوا وتيرة التحذير من الخطر المحدق وانقاذ الوطن من ذلك المصير القاتم .. ولكن للأسف الشديد "لا حياة لمن تنادي"...

وشدد الشيخ محمد على ضرورة إدراج رابط يقود إلى هذا الموضوع نظرا لأهمية ما فيه لكل من يعمل على ايجاد حل للكارثة التي لم تنته فصولها بعد في بلادنا، أو من يسعى لكتابة تاريخ تلك المرحلة.

 

 

وأضاف القول بأنه بقدر ما أصابني موقف ذلك المسؤول بالدهشة (والرعب على مصير بلادي)، إلا أنه حرر عقلي من التفكير النمطي الذي تعودنا عليه، وأجبرني على النظر إلى الأمور بمنظور مختلف، وفرض عليّ طرح الأسئلة الصعبة ومحاولة ايجاد الإجابات عليها. وبطبيعة الحال كان أول سؤال يطرق ذهني هو "ما الذي يدفع مسؤولاً بهذا الحجم في جهاز بهذه الأهمية لهذه الدولة العظمى على اتخاذ هذا الموقف العدواني الحاقد على شعب لم يُعرف عنه العداء لأمريكا أو مصالحها، بل على العكس من ذلك تماماً؟ لدرجة أنه لم يكترث بأن يُظهر لي ازدراءه للشعب الليبي، ورغبته في إلحاق هذا الكم من الضرر والدمار به لدرجة رؤيته يغتسل في حمام من الدم ... الخ

تعلمت من بعد تلك الواقعة، ومن خلال متابعاتنا للمشهد العالمي بصفة عامة بأكثر نضجاً- ما لم يعُد خافياً على أحد الآن- وهو أن كبار الضباط والمسؤولين في الأقسام الخاصة بالدول العربية في الأجهزة الأمنية الأمريكية يتعاطفون بالكامل مع اسرائيل وينحازون انحيازا تاماً لمصلحتها على حساب مصالح كل من سواها، وكما شهدت عليه بنفسي وتيقنت منه لاحقا بأن سبب ازدراء ذلك الضابط للشعب الليبي وحقده عليه ورغبته في رؤيته يغتسل في حمام من الدم ... الخ ... كان بدافع الانتقام لما تعرض له اليهود الليبيين أثناء وبعد وبسبب هزيمة الجيوش العربية النكراء أمام اسرائيل سنة 1967، عندما صبت الجماهير الغاضبة جام غضبها وسخطها على اليهود الليبيين فأحرقت بيوتهم وممتلكاتهم وتعرضوا للنهب والقتل ثم التشريد خارج البلاد وسط تقاعس الحكومة الليبية في ذلك الوقت عن حماية مواطنيها اليهود (رعايا الملك ادريس وأهل ذمته) في مشهد همجي أعتبره شخصيا نقطة سوداء في تاريخ بلادنا، ووصمة عار في جبين كل من شاركوا فيه.

وقد عكفت بعد ذلك اللقاء على دراسة قضية يهود ليبيا من مصادر عديدة كانت أهمها وأكثرها فائدة الوثائق السرية للحكومة البريطانية التي يفرج عنها بعد مرور 30 سنة على أحداثها. وقد قدمنا دراسات وثائقية كثيرة لإلقاء الضوء على هذه القضية الحساسة والهامة عندما استشعرنا تحركات مريبة لاستغلال الجهل بها وشُحّ المصادر والمعلومات التي تؤرخ لها تأريخا منصفا ومحايدا ًودقيقا. وكذلك رصدنا محاولات لبث معلومات مغلوطة لسد ذلك الفراغ المعلوماتي ليتم توظيفها لاحقا في إعداد ملفات إدانة (مُبالغ فيها) لتصريفها إلى تعويضات مادية مُبالغ فيها تُفرض على نظام القذافي اليائس على غرار تعويضات لوكربي المجحفة.

تجدر الاشارة إلى أنه توجد منطقة خاصة بموضوع يهود ليبيا في موقع أرشيف الاتحاد الدستوري الليبي زاخرة بالوثائق والمعلومات التي يقول الشيخ محمد أنه استفاد منها كثير من الباحثين والمؤرخين (بدون العزو إلى مصدرها للأسف ...... ولكن هذا موضوع آخر)...لعل أهمها ما نشرناه تحت عنوان: "المنظمات الصهيونية تسعى للسيطرة على ليبيا بعد تسوية القضية الفلسطينية" (الحيـاة - 09/01/2006)

 

 

أما تساؤلك الخاص بمن تجاهلوا تحذيراتي من هذا الخطر الداهم بسبب الجهل والقصور، ومن تعمّدوا تغييبها أوتسفيهها فدعيه جانبا اليوم، وأعدك بأنني سأجيب عليه في مناسبة لاحقة، ودعيني أحدثك عن مواقف الجهتين اللتين انتبهتا لخطورة دعوة الاتحاد الدستوري الليبي على مخططاتها ومشاريعها، لتكتمل الصورة قبل أن نغادر هذا الموضوع .....

 

1- الجهاز الأمني الأمريكي المسؤول عن الملف الليبي، والذي يقدم التقارير و "النصائح" للإدارات الأمريكية المتعاقبة (والذي تعلمنا لا حقا أنه في واقع الأمر هو من يشّكل سياسات الولايات المتحدة الأمريكية مع الدول العربية بصفة عامة وليس ليبيا فحسب كان أول من انزعج من دعوة الاتحاد الدستوري الليبي إلى العودة إلى مسار "الشرعية الدستورية"، وهو ما يعني في الواقع الخروج بليبيا من مسار الانقلابات العسكرية وسعير "ثورات" العالم الثالث المدمّرة، وهو المسار المقصود دفع البلاد إليه منذ انقلاب سبتمبر 1969 لتسير في طريق مسدود وحلقات شيطانية مفرغة تقودها في النهاية إلى المصير القاتم الذي تعيشه اليوم. فإن نجاح مسعانا كان سيؤدي إلى إنقاذ ليبيا من براثنهم ونجاتها من مخططاتهم، فبادروا بالاتصال بنا في محاولة سريعة لاحتواءنا وادراجنا داخل منظومة الدكتور محمد يوسف المقريف الذي كان قد أعلن عن تأسيس "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا" من العاصمة السودانية الخرطوم في نفس اليوم الذي أُعلن فيه تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي.

وعندما تيقنوا من يقظة الشيخ محمد إلى غرضهم وحرصه واصراره على استقلالية العمل الوطني قرروا محاصرة الاتحاد الدستوري وعزله ومنع أي مساعدات عنه (كالتي كانت الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية تغدقها على تنظيمها الذي يرأسه الدكتور محمد المقريف، والذي أثبتت الأيام شكوكنا بأنه لم يكن إلا مصيدة لاحتواء العمل الوطني في تنظيم واحد أقوى من بقية التنظيمات الأخرى، ليتم التحكم في تسييره في الاتجاه والتوقيت الذي يناسب مصالح وتخطيط ذلك الجهاز. وقد تعلمنا لاحقا أن ذلك يندرج تحت ما يُعرف بسياسة "الاحتواء والتحكم". وهو الأمر الذي هددني به مسؤول أمريكي قال لي عندما رفضت عرضه: "بأنني سأجد الأبواب العربية كلها موصدة في وجهي، وأن أغلب الشخصيات الليبية النشطة والمؤثرة ستعترض طريقي بشراسة وستناصبني العداء.".... وبقية التفاصيل تجدينها في طيات ذات المقال

وقد أثبتت الأيام والسنين اللاحقة أنه عَنى كل ما قال بدقة، فقد أُجبر الاتحاد الدستوري الليبي على أن يلعب دوره في القضية الوطنية بمفرده من دون أي مساعدة من أي جهة، فسار ضد تيارات عدة ببطء شديد، ولكن بثبات وفاعلية تركت أثارها واضحة في ساحة العمل الوطني، ولونها بألوانه النابعة من التراث الوطني، وأحيا ورسّخ قيماً ومفاهيم اعتقد البعض أنهم نجحوا في دفنها وحرمان الشعب الليبي منها إلى الأبد.

وللعلم والتوثيق فلم يكن التزامن بين تاريخ الاعلان عن تأسيس "الاتحاد" و"الجبهة" بترتيب أو معرفة- أي منا، بل بتسخير من خارج إراداتنا. وأود أن أوثّق هنا كذلك أننا لم يكن لدينا علم بتفاصيل أو تاريخ الاعلان عن تأسيس تنظيم الدكتور المقريف، وكل ما كنا نراقبه هو تحركاته المكوكية بين عواصم العالم منذ أن ترك وظيفته كسفير للنظام في الهند في فترة الزحف "الثوري" على السفارات لتحويلها لما صار يعرف بـ "المكاتب الشعبية". أما بالنسبة لنا، فلم يكن ممكنا لهم أن يعرفوا بتاريخ إعلاننا الذي اخترنا له يوم السابع من أكتوبر لإحياء الذكرى الثلاثون لإعلان الدستور الليبي، (والذي تزامن مع مناسبة عيد الأضحى) .فلم يكن ذلك التاريخ يعني الكثير بالنسبة للنشطاء السياسيين في ذلك الوقت حيث طواه النسيان مع ضجيج وزعيق أبواق النظام، وانصراف نخبة المثقفين الليبيين عن عهد الاستقلال والدستور واعتبارها لذلك العهد عهدا رجعيا ينبغي الابتعاد عنه وعدم الالتفات اليه بأسرع وسيلة.

 وقد سعى أصدقاء أمريكا في المعارضة الليبية أكثر من مرّة إلى تجاوزنا وتصدّر الدعوة الدستورية، وإعادة تقديمها بصيغ مختلفة بمعزل عنّا بغرض افراغها من محتواها لتصبح مجرد سلعة سياسية مستهلكة وشعارات ممضوغة كبقية الشعارات الفاشلة التي تبلد عليها استقبال المواطن فلم يعُد يتجاوب معها ولا يتحمس لها، إلا أنهم كانوا يفشلون في كل مرة لفقدانهم الصدقية في دعواهم وتطفلهم على قضية لا يؤمنون بها حقيقةً، ولا هم واعون بعمق أهميتها

 

2- أما الجهة الثانية فكانت بطبيعة الحال- هي معمر القذافي الذي استشعر خطرها واعتبرها موجهة ضده شخصيا. فقد كانت الدعوة في حقيقة الأمر كمن يقول له (بعد أثني عشر سنة كاملة من حملات تشويه الملك ادريس وعهده التي كانت وسائل اعلامه تصدّع بها رؤوس المواطنين وتغسل بها أدمغتهم صباحا ومساءً، وخطبه هو في كل مناسبة من ذكرى "الفاتح" و غيرها والتي كان ينخرط فيها لساعات في نوبات متشنجة يكيل فيها الشتائم والاهانات للملك ) انك لم تنجح في غسيل أدمغة الشعب، وانك لست ثوريا ولا مخلِّصاً لشعبك كما تزعم، بل انك مجرد ضابط متمرد ناكث لقسم الولاء الذي أديته يوم تخرجك، وأن هناك قطاع من الشعب الليبي مازال يدين بالولاء والعرفان لعاهل البلاد ويعتبره "قائد الجهاد وأبا الاستقلال وصانع الدولة"، بل ويدعو إلى الالتفاف حوله لإسقاط حكمك وفضح خديعتك (كما ورد في البيان التأسيسي للاتحاد الدستوري الليبي).... فبقدر ما كان احتمال نجاح تلك الدعوة يشكل خطرا على مشاريعه وطموحاته المستقبلية فقد كان جارحا لكبريائه وبمثابة صفعة على وجهه وبصقة في عين غروره، ومتحديا لمزاعمه بأن ليبيا ما بدأت إلا يوم "الفاتح العظيم"، وأنه هو صاحب الفضل في ذلك ولا أحد قبله ولا أحد بعده، فاستشعر خطر تلك الدعوة لو كُتب لها النجاح، أو سُمح لها بأن تنتشر بين الناس حتى ولو بنسبة قليلة، وبادر بتوجيه فرق اغتيالاته التي كانت تجوب مدن أوروبا في تلك الحقبة تقتل المعارضين وتسمم أطفالهم- إلى مدينة مانشستر لتصفية الشيخ محمد وأسرته وتنظيمه. فرصدت الشرطة البريطانية تكثيفا لنشاطات تلك الفرق التي كانوا يطلقون عليها اسم "الخلايا النائمة" وتحركاتها أدت إلى وضع الشيخ محمد وأسرته قيد الإقامة الجبرية (الاحترازية) في بيته تحت الحراسة المسلحة للشرطة البريطانية، ومنع أطفاله من الذهاب إلى مدارسهم لفترات طويلة ... وتصاعدت وتيرة حملات التشويه ضد الملك وعهد الاستقلال وزادت حدة عداء القذافي للشيخ محمد ورغبته في التلخص منه وإخماد تلك الدعوة بأي شكل من الأشكال. وقد حدثني الشيخ محمد بأن صديقا قديما له كان على مقربة من الأجهزة الأمنية للنظام قد سرّب له أثناء مبادرة الانفراج التي اتبعها القذافي سنة 1988 (أصبح الصبح) ومبادرات التصالح مع المعارضين في الخارج لإعادتهم إلى ليبيا أن لا يصدّق أي متّصل أو ساعٍ لتسهيل رجوعه إلى ليبيا حتى وإن كان يحمل تعهداً بخط معمر القذافي، لأنه شخصياً شاهد على ما كان يدور في تلك الأوساط من تأذّي العقيد من تلك الدعوة لدرجة أنه يعتبرها في اجتماعاته المغلقة مع جلاوزته وجلادي نظامه المقربين مسألة شخصية، وأنه لن يهدأ له بال (أسماها ذلك الصديق "يبرد سمّه") إلا بتصفية محمد بن غلبون والتمثيل به.....

 

ولكنهم "يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، فبحمد الله وعنايته ورعايته لم تنجح مساعي الطرفين في اسكاتنا أو شراءنا أو تخويفنا، وسرنا بثبات على النهج الذي اخترناه لأنفسنا بدون توجيه ولا سيطرة من أي جهة، إلا ما أملاه علينا الواجب الوطني مراعين تقوى الله في كل خطوة خطوناها في تلك المسيرة الطويلة والمحفوفة بالمخاطر والمنزلقات.

   

 

العودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

(الجزء الرابع)

 

حقائق حول موقف الشيخ محمد بن غلبون من الملك ادريس (رحمه الله)

نشر في صفحة انصاف بن غلبون Ensaf Benghalbon. على فيس بوك بتاريخ (27/9/2019)

في هذا الجزء (الرابع) استفسرت من أخي الشيخ محمد (حفظه الله) عن موضوع الدستور، والشرعية الدستورية، ولماذا اختار هذا المسار الذي كان مغايرا للتوجه السائد على ساحة العمل الوطني في تلك المرحلة (نهاية السبعينيات/بداية الثمانينيات)، فلم يكن أحد في تلك الفترة يذكر الدستور ولا يرفع العلم، بل أن الملك ادريس نفسه صار "نسياً منسياً" إلا ربما في حكايات "الشياب والعزايز"، وكل هذه الرموز صارت يشملها مصطلح "العهد البائد" !!!

 

فشرع في الحديث بدون التقيّد بصيغة السؤال والجواب، وكانت هذه حصيلة اللقاء:

 

يقول الشيخ محمد أنه من بين أكبر التحديات التي واجهتهم (غير التحديات الأمنية، والتمويل وما إلى ذلك) كان توصيل مفهوم وفائدة- العودة إلى مسار "الشرعية الدستورية" إلى أغلبية المثقفين الذين احتكينا بهم وحاولنا توحيد جهودنا معهم في مواجهة نظام القذافي غير الشرعي- تحت راية الاستقلال وعلى أرضية الدستور الذي وُلدت من رحمه الدولة الليبية الحديثة.!!! ...وذلك لكي تصبح المواجهة بيننا وبينه ببساطة مواجهة بين "الشرعي = صاحب الحق" في مقابل "اللاشرعي= المغتصب".

فما بدا لنا نحن المواطنون العاديون غير ذوي الخبرة السياسية ولا التجربة الحزبية - كأمر بديهي، صُدمنا بأنه استعصى استيعابه على من مارسوا السياسة وتبوؤا مناصبا في العهد الملكي أو في عهد ما بعد الانقلاب، وكذلك على جهابذة العمل الحزبي الذي كانت ساحة النضال ضد نظام القذافي تزخر بهم.

ففي الوقت الذي يمكن فيه تفهّم ما يجوز وصفه بـ "الأمية الدستورية" بين عامة أفراد الشعب، وعزو ذلك إلى قصر الفترة الزمنية لعهد الاستقلال والذي كان يواجه تحديات أكبر من ذلك بكثير من حيث نشر التعليم و "محو الأمية" السائدة في السواد الأعظم من أبناء الشعب، وتحديات التنمية بأنواعها، وغيرها من التحديات التي تجعل من موضوع "الثقافة الدستورية" أمرا هو أقرب إلى الترف والرفاهية منه إلى الضرورة، فلا يمكن بأي حال من الأحوال فهم هذه "الأمية الدستورية" عند النخب المثقفة التي كانت تتزعم معظم حركات المعارضة لنظام القذافي منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي والتي كانت تضم جميع التيارات الفكرية السائدة في الوطن العربي، من أقصى اليسار (الشيوعي الماركسي) المدعوم من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " التي يترأسها جورج حبش، إلى جماعات "الإسلام هو الحل"، مرورا بالبعثيين، والناصريين، والقوميين العرب ... الخ !!!

فحتى أولئك الذين اقتنعوا بوجاهة أو متانة القضية الدستورية لم يستطيعوا استيعاب أهمية التمسك بدستور الاستقلال باعتباره منبع الشرعية المنشودة وأصلها، وانخرطوا في كتابة دساتير خاصة بهم، بدون الانتباه إلى أن ذلك يجردهم من العنصر الأقوى في هذه المعادلة (أقصد معادلة الشرعية وعدمها) ، ويضعهم في خانة القذافي نفسه الذي كتب الاعلان الدستوري المؤقت ثم الوثيقة الخضراء وغيرها من المحاولات العبثية لإضفاء شرعية "دستورية" على نظامه، (غير "شرعية الأمر الواقع" التي اكتسبها بالقوة عندما اغتصب السلطة صباح أول سبتمبر 1969).

أما عن سبب تمسكه هو بدستور 1951 وعدم حياده عنه منذ تأسيسه الاتحاد الدستوري الليبي وحتى اعتزاله المشهد السياسي عقب ثورة فبراير فيقول :

أنه على قناعة بأن الدستور يُكتب مرة واحدة من قبل المختصين في الشأن الدستوري، وتتم مراجعته وتطويره وتحديثه بحسب مقتضيات مراحل تطور الدولة واحتياجاتها. وأن ذلك لا يتم إلا في ظروف مستقرة من قِبل مختصين مؤهلين وحائزين على ثقة الشعب، مع خيار طرح هذه التعديلات الدستورية في استفتاء شعبي ان لزم الأمر. ودستور بلادنا يوفر هذه الآلية الراقية، أقصد التي تسمح بتغيير بنوده بدون الحاجة إلى إلغاءه والعودة إلى نقطة الصفر (المحبوسة فيها بلادنا اليوم وتعجز عن الخروج منها)، وهناك سابقة تاريخية قريبة لذلك عندما تم تغيير شكل الدولة من النظام الاتحادي إلى نظام الدولة المركزية الموحدة سنة 1963، وهو تغيير جذري يعتبر كل ما دونه تغيير ثانوي.

 

هناك نقطة هامة جدا -يضيف الشيخ محمد في هذا السياق- وهي أن هناك حقيقة تاريخية يغفل عنها المثقفون والمواطنون على حد سواء مع كونها في غاية الأهمية، وهي أننا كليبيين لا نمتلك جذورا ضاربة في القدم كشعب واحد (أقصد دولة موحدة). وكلامي هنا موجه بالدرجة الأولى لصغار السن ومن وُلدوا ونشأوا في دولة اسمها ليبيا مكونة من أقاليم فزان وبرقة وطرابلس تتعدد فيها لهجات السكان وألوان بشرتهم وطباعهم وعاداتهم وتقاليدهم، بل أن بعض مكونات هذا الشعب لهم لغاتهم الخاصة بهم مثل التبو، والطوارق، والبربر (الأمازيغ)، وكذلك اليهود والقريتلية. فكثير من هؤلاء لا يتوقفوا عند حقيقة أن هذه "الخلطة" لم تكن شعبا واحدا يضمه وطناً واحدا تحت زعامة واحدة قبل الملك ادريس (رحمه الله وطيّب ثراه). والبعض يخلط بين عراقة مكونات "الأمة الليبية" كل على حدة- القديمة بقدم التاريخ (من عصور الليبو والتحنو و.قبائل هلال وسُليم....الخ....) وبين "الشعب" الليبي الذي وُلد مع الدولة المستقلة سنة 1951 فانصهرت كل هذه "المكونات" في بوتقة واحدة، داخل حدود جغرافية محددة يرفرف عليها علم واحد، وتحت زعامة سياسية (وروحية) واحدة ممثلة في شخص الملك ادريس. وأن كل ذلك يصونه ذلك الدستور، وأن أي عبث بذلك الدستور سينجم عنه "خلخلة" لتلك التركيبة حديثة العهد- والتي لم تمر بالفترة الزمنية الكافية لكي تختفي تلك الشقوق (أو سمها خطوط اللحام إن جاز التعبير) بين مناطق ومكونات "الأمة" الليبية لتتحول إلى "شعب" واحد "متجانس" لا مكان فيه للفوارق العرقية أو الجهوية أو غيرها، يدين أفراده بالولاء الكامل للوطن، والعلم (كشعار ورمز له) والدستور (كضامن وصائن لحقوق مكوناته المختلفة) مع حق جميع هذه المكونات في الاحتفاظ بما يميزها عن غيرها... وهذه بطبيعة الحال عملية تستغرق وقتا طويلا وجهدا كبيرا يُشترط فيها أولا "الوعي" بوجود هذه "القضية" أصلا، (على الأقل من قبل السلطة المشرفة على تطبيقها والراغبة في انجازها) .... هذه النقطة تحديدا (والغريبة على أسماع الكثيرين) حاول الشيخ محمد تسليط الضوء عليها وأخذها بعين الاعتبار منذ المراحل الأولى للتصدي للقذافي ومحاولة إنهاء نظامه الشاذ، والعودة بالبلاد إلى مسيرة التنمية والتطور الطبيعي البعيد عن الصخب والضجيج والشعارات الجوفاء والبطولات الوهمية والقضايا الخاسرة.... ويمكن مطالعة إحدى هذه المحاولات فيما كتبه سنة 1983 في مجلة "الطليعة العربية" عراقية التمويل والبعثية التوجه، باتباع هذا الرابط: والذي قال فيه (في سياق الدفاع عن الملك ادريس في تلك المجلة "التقدمية") :

 

 "... ((كعرب ... حيّينا ونحي السيد محمد ادريس السنوسي لتحقيقه لأنجح خطوة على طريق الوحدة العربية، حين وحد بين أقاليم ليبيا الثلاث برقة وطرابلس وفزان لأول مرة في تاريخ البلاد رغم صعوبة ذلك واختلاف تلك المناطق الثلاثة اختلافاً واضحاً في العادات واللهجة واللون. وحّد بينها بطريقة سليمة غير قابلة للانفصال حتى أن العالم العربي أجمع والجيل الجديد من الشعب الليبي نفسه نسي أن هذه البلاد كانت وحتى الستينات تتكون من ثلاث شعوب مختلفة)) ....".

واستمرت تنبيهاتنا يضيف الشيخ محمد- لهذا الخطر في مناسبات عديدة عندما رصدنا أن القذافي كان يعمل بدأب على تقويض ما تم تحقيقه في هذا الصدد في الفترة القصيرة لعهد الاستقلال عندما عمد إلى تأجيج النعرات القبلية والجهوية، وتقزيم بل وإلغاء الأقليات وعزلها من أجل أن يعود بالشعب الليبي إلى حالة التشظي والانقسام، التي كان عليها قبل الاستقلال. وظاهر غايته من ذلك هو أن يفكك المجتمع ويضعفه ويتركه على "صفيح ساخن" ويجعل من نفسه صمام الأمان لعدم اندلاع الاقتتال بين هذه المكونات في حال غيابه عن المشهد....

أما باطن غايته فسيدخلنا في متاهات النظريات والتحليل الذي ليس هنا مكانها ولا هذا وقتها ...

 

كذلك فإنني على قناعة راسخة بأن التخلي عن هذا الدستور سيكون بمثابة التخلي عن جميع انجازات ذلك العهد. فنجد أنفسنا في موقع محاولة بناء المستقبل على أنقاض عهد القذافي (أو بتسمية أكثر دقة على أنقاض "الدمار" الذي سيخلفه عهد القذافي)، بدلا من البناء على "دعائم" عهد الاستقلال والاستمرار بمسيرة النهضة والتنمية (البشرية والمادية) التي بدأت في ذلك العهد قبل أن يجهضها انقلاب "الأشقياء" في سبتمبر 1969.

أما من الناحية الرمزية (العاطفية إن جاز التعبير ) فإن دستور الاستقلال (دستور 1951) وُلدت من رحمه الدولة الليبية الحديثة (للمرة الأولى)، فلا ينبغي أن نتخلى عنه بهذه البساطة (وبدون سبب وجيه في واقع الحال غير الجهل وسوء التدبير)، لنبدأ صفحة جديدة لا ندري إلى أين تقود، فنشغل أنفسنا ونهدر طاقاتنا لإنجاز ما سبق وأن أنجزناه بنجاح قبل أكثر من نصف قرن، ونخلق بذلك سابقة خطيرة تسمح لكل حاكم جديد يأت بعدها بطريقة أو بأخرى- فيكتب دستورا جديدا يتوافق مع مبادئه وطموحاته (أو طموحات ومشاريع حزبه أو جماعته)، ليأتي غيره ويفعل ذات الشئ فنضع أنفسنا في خانة ما يسمى سُخريةً بـ "جمهوريات الموز"، فيفقد الدستور هيبته التي تجعله المرجعية الكُبرى فوق الجميع (بما فيهم الحاكم نفسه)، ونكون بذلك بمثابة من يمزّق شهادة ميلاده بيده !!!

 

استمرت مسيرة التوعية الدستورية على مدى 30 عاما منذ تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي (سنة 1981) وحتى انتفاضة فبراير عندما بادر الشيخ محمد بمحاولة لفت الانتباه إلى هذه الحقائق والمفاهيم في المراحل الأولى لثورة فبراير بعدة سُبُل لتوعية من ترعرعوا في ظلام حكم دولة الانقلاب ويعانون مما يجوز تسميته بـ "الفقر الدستوري". فحث المجلس الانتقالي ورئيسه على: "... ((تبني الدستور الليبي، مع التحفظ بطبيعة الحال على المواد التي تحدد شكل الدولة، ونظام الحكم فيها إلى أن يجري الاستفتاء على ذلك في حينه، وذلك بدلا من الوعود المتكررة بوضع دستور جديد بعد سقوط القذافي))...." (الشرق الأوسط 13 يونية 2011) ،يمكن الاطلاع على النص الكامل باتباع الرابط: أدعو المجلس الانتقالي إلى تبني دستور بداية الاستقلال  http://www.libyanconstitutionalunion.org/aaa25feb2011.htm

 

 

كما وضح الشيخ محمد مزايا وفوائد التمسك بدستور الاستقلال في سياق أجاباته على الاستبيان الذي أعده ملتقى الحوار الوطني في بنغازي بتاريخ 28/07/2011 حول مقترح مبادئ ثورة 17 فبراير، والذي يتعلق مباشرة بقضية اعداد دستور جديد فأجاب على السؤال الحادي عشر الذي ينص على :

 

س: الدستور يتم إعداده من قبل لجنة تأسيسية ينتخبها الشعب، أو تعيّن من قبل السلطة التشريعية المنتخبة ؟

 

ج: ((الدستور يتم تعديله أو تنقيحه "من قبل لجنة تأسيسية ينتخبها الشعب، أو تعيّن من قبل السلطة التشريعية المنتخبة". فخطوة إعداد الدستور سبق وأن اخذها الشعب الليبي قبل أكثر من 60 سنة، ولا يجوز لنا أن نرسّخ سابقة إلغاء الدستور التي مارسها القذافي ونعيد ليبيا إلى نقطة الصفر. كما لا يجوز لنا أن نـُفقِد ليبيا وشعبها هذا التراث الحضاري العظيم وهذه الأسبقية النادرة لنعود إلى نقطة البداية وكأننا أمة بلا جذور دستورية. فلا ينبغي اهدار الجهود فيما قد أنجزه وضمنه لنا الأباء والأجداد بل ينبغي أن تصب كافة الجهود في تطوير وتنقيح هذه الوثيقة الحضارية العريقة (دستور 1951).

فالدستور الليبي (1951) يتوفر على خاصية فريدة من نوعها كونه تمت صياغته قبل تنصيب الحاكم على البلاد مما يجعله قابلا للتعديل ليناسب أي شكل للدولة ونظام الحكم الذي يرتضيه الشعب. وكذلك فهو يتوفر على آلية ذاتية لتعديله وتنقيحه من داخله وبدون الحاجة إلى إلغاءه، وهناك سابقة في ذلك عندما تم تغيير شكل الدولة سنة 1963 من الشكل الفيدرالي إلى الدولة الموحدة وتعديل اسمها بناء على ذلك.

كذلك فإن الدستور الليبي تم الشروع في صياغته من قِبل "الجمعية الوطنية الليبية" -التي لم يطعن أحد في شرعيتها أو أحقيتها في تمثيل الشعب- قبل ما يقرب من السنتين من اعلان استقلال البلاد وولادة الدولة الليبية الحديثة في 24 ديسمبر 1951 ، وعليه فهو يعد الوثيقة الوطنية التي ولدت من رحمها الدولة الليبية، مما يكسبه قيمة أكبر من قيمة الحاكم مهما كانت صفته- وتجعله المرجعية الكبرى فوق كل مرجعية أخرى.

هذه خصائص يتميز بها دستور بلادنا كفلها لنا المخلصون من جيل الآباء والأجداد فلا ينبغي لنا أن نفرط فيه، خاصة في هذه المرحلة من مسيرة ليبيا نحو المستقبل الواعد بروح ثورة 17 فبراير المجيدة، والتي نحتاج فيها إلى كل ما من شأنه أن يجمع ولا يفرّق، ويقلل من الانشغال بمسائل لا يخلو بعضها من حساسيات (حقوق الأقليات، الدين .. الخ) قد تم حسمها بما يحقق الحد الذي يكفل حقوق الجميع ويرضي كافة الأطراف بدون الحاجة إلى الانشغال في الخوض في نقاشات وجدال حولها.

خاصية أخرى لا تقل أهميتها عما سلف ذكره هي أن الدستور الليبي (1951) يعد ملكاً لجميع الليبيين على قدم المساواة ليس فيه فضل ولا منّة لأي جهة أو تنظيم أو حزب من شأنه أن يثير عدم قبوله من قبل المواطنين كأساس تعكف على تطويره وتعديله نخبة من الخبراء وأهل التخصص في الشؤون الدستورية والقانونية ليتناسب مع متطلبات العصر ويتوافق مع طموحات المواطنين وتطلعاتهم)).

يمكن مراجعة الموضوع بأكمله باتباع هذا الرابط: http://www.lcu-libya.co.uk/consplus.htm#17feb

 

وبإمكان من أراد التوسع في هذا الموضوع أو توثيقه الإطلاع كذلك على منشور الاتحاد الدستوري الليبي "العودة إلى الحياة الدستورية أم الى نقطة الصفر" الصادر في 26/05/2005 أثناء الاعداد لمؤتمر المعارضة الليبية الذي عقد في لندن بتاريخ 25/06/2005 باتباع الرابط أدناه، والذي جاء فيه:

 

((تسود ساحة العمل الوطني بالمهجر فى هذه الأيام نقاشات ساخنة في خضم الإستعداد والتحضير للمؤتمر الوطني للمعارضة الليبية المزمع عقده في العاصمة البريطانية يومي 25 & 26 يونية المقبل.

كما تشهد هذه الساحة ما يشبه الإجماع على ضرورة العودة إلى الحياة الدستورية في ليبيا المستقبل، وهو أمر يدعو إلى التفاؤل والإحباط في ذات الوقت! فالمطالبة بالحكم الدستوري هي شاهد على نضج و تطور إيجابي في أوساط المعارضة الليبية، ودليل على إستيعاب تجارب الأمم التى هاجرنا إليها بعد إغتصاب بلادنا من قبل نظام الإنقلاب العسكري .

أما الجانب المحبط، فهو هذا الإصرار الشديد من بعض المعارضين على البداية من نقطة الصفر، واجتثات الجذور الدستورية من بلادنا، وكأن بلادنا ليس لها دستور يعد أكبر مكتسباتها الوطنية والذي جاء نتيجة لجهاد وجهود أجيال وطنية غذتها بدمائها الزكية، لا لسبب إلا لأن معمر القذافي ورفقاء السوء قرروا إلغاءه في صباح ذلك اليوم المشؤوم، ليستبدله في البداية بدستور هزيل صاغه المخبر المصري سئ السمعة فتحي الديب مبعوث الرئيس جمال عبد الناصر للإنقلابيين الجدد، ثم ليستعيض عنه لاحقا بسلسلة من الأفكار المتخبطة تمخضت في النهاية عن ما أسماه "بالوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير". وهو بذلك قد فعل ما ينادي به بعض هؤلاء المعارضين اليوم، أي تجاوز دستور الشعب واستبداله بدستور جديد. وقد أوضحت السنوات المتعاقبة دوافع القذافى من وراء ذلك حتى لمن غفلوا عنها تحت وطأة الحماس أو الجهل في بدايات عمر الإنقلاب، وهي تحديدا إلغاء 18 عاما من عمر الأمة الليبية وتجربتها الدستورية المعاصرة التي بدأت مع بزوغ فجر الإستقلال واستمرت حتى قيام الإنقلاب، والإدعاء بأن "ولادة الدولة الليبية الحديثة تمت على يديه صبيحة الفاتح من سبتمبر 1969"، وأن التاريخ الليبي ابتدأ منذ ذلك الحدث.)) http://www.lcu-libya.co.uk/congress.htm#lcu26mayarb

 

وقبل أن نختم حديثنا اليوم أود أن أوثّق كذلك معلومتين فاتني ذكرهما في الجزء الأول لكي تتضح الصورة وتكتمل عند من سيأتوا بعدنا.

الأولى في سياق تناولي للمواقف السلبية والعدائية التي واجهناها من قِبل رجالات العهد الملكي أو من أسميتهم "رجال الملك"، وكذلك ممن لهم علاقات تاريخية ومتجذرة مع السنوسية (الحركة أو الطريقة) عندما قلنا "عاش الملك" ودعونا إلى رد اعتباره والانضواء تحت رايته ... الخ ... وفاتني أن أسجل موقف الأسرة السنوسية من موقفنا ذلك.

وهو باختصار شديد أننا لم نتلقّى أي ترحيب ولا تقدير ولا حتى مجرد "اعتراف" من أي فرد من أفراد الأسرة السنوسية الذين كانت تربطنا ببعضهم صداقات من أيام الشباب والدراسة في بنغازي، وكانت قنوات الاتصال (الآمن) متوفرة بيننا، سيما بعد المصاهرة التي ربطت ابنهم نافع بشقيقتي علياء بعد فترة وجيزة من الاعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي. (وأنا هنا أقصد على المستوى الشخصي السري بطبيعة الحال). وحتى في المرات التي كنا نلتقي فيها صدفةً ببعضهم كانت الأحاديث بيننا محصورة في المواضيع السطحية العامة. ولم يتغير ذلك الموقف السلبي حتى بعد وفاة الملك (رحمه الله)، ومثابرتنا على مؤانسة و"خدمة" عمتهم الملكة بدون انقطاع حتى ساعة انتقالها إلى الرفيق الأعلى بعد وفاة الملك بأكثر من 25 سنة!!!

 

أما الثانية فتخص التمويل المادي للاتحاد الدستوري. فإنني أوثّق كذلك أن الاتحاد الدستوري الليبي لم يتلق دعما ماليا من أي دولة، ولا جهة رسمية أو غير رسمية، وإننا كنا نمول نشاطات الاتحاد من "جيوبنا". وذلك لسببين:

أولهما حرصنا على عدم قبول أي دعم "مشروط" سيؤثر على حريتنا واستقلالية قرارنا، بعيدا عن "أجندات" الدول أو الجهات الممولة.

والثاني هو ذلك الحصار الانتقامي الذي توعّدني به مسؤول الجهاز الأمني الأمريكي الممسك بملف القضية الليبية عندما رفضت التعاون معهم "بشروطهم"، وهو ما أسهبت في تفصيله في الجزء الثالث من هذه السرد التوثيقي وبالإمكان العودة إليه لمن أراد التوثيق.

   

 

العودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

Copyright 1999 LCU. All rights reserved.
Revised: October 05, 2021